خلق الأناة: مفهومه ودعوة الإسلام إليه

الإسلام للمبتدئين عبدالله توبة
خلق الأناة
Photo by Hamid Roshaan 🇵🇰 on Unsplash

لا شك أن خلق الأناة أحد أهم الأخلاق الإسلامية التي دعا الإسلام إليها وأمر الناس بالالتزام بها لما لها من فضل عظيم ومنزلة كبيرة. وفي هذا المقال سنتعرف على حقيقة هذا الخلق من خلال دعوة الإسلام إليه.

يقصد بالأناة الهدوء والتثبت والابتعاد عن العجلة والطيش، والأناة على هذا المعنى تعني المبالغة في الرفق بالأمور وعدم التسرع في اتخاذ القرارات. ولذلك فإن الأناة بهذه المعنى تعد من أهم الأخلاق التي يجب على المسلم أن يتخلق بها وأن يطبقها في حياته تطبيقًا عمليًا. لأن التسرع والعجلة والطيش صفات لا تأتي بخير على الإطلاق. بل قد تكون سببًا في جلب الضرر والمصائب على صاحبها. ولعل هذا سبب أمر القرآن الكريم بالتثبت والتأني عند سماع الأخبار. وعدم الانسياق وراء الشائعات التي قد يكون الغرض منها إيقاع الشخص في الضرر.

يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(سورة الحجرات:6). والآية الكريمة تؤكد بشكل قاطع أن التثبت ومعرفة أصل الأمر وحقيقته من الأمور المطلوبة. التي تجنب الإنسان الوقوع في العنت أو إيذاء الآخرين والاعتداء عليهم بدون سبب. ولذلك فإن التثبت عند سماع الأخبار من الأمور التي جاء الإسلام بالتأكيد عليها والدعوة إليها.

أهمية خلق الأناة ودعوة الإسلام إليه

ومما يدل على أهمية خلق الأناة أنه ذا أهمية كبيرة في بعض المواقف كالجهاد في سبيل الله تعالى. حيث أمر الله تعالى المسلمين بالتأني والتبين والتثبت من حال المحاربين. فقد يكونون من المسلمين، وعندها لا يجوز قتالهم أو الاعتداء عليهم. حيث يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}(سورة النساء: 94).

وقد قيل إن هذه الآية قد نزلت في رجل قتل رجلًا ظن أنه يتظاهر بالإسلام لينقذ نفسه من القتل. فأمر الله تعالى المؤمنين بالتثبت والتأني. وأرشدهم أن مجرد إظهار الشخص شعائر الإسلام. يمنع الاعتداء عليه بحال من الأحوال بزعم أنه قد فعل ذلك متعوذًا ومتقيًا القتل. لأن القلوب لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وتعالى.

امتداح النبي لهذا الخلق

ولأن خلق الأناة من الأخلاق التي يمتدح بها الإنسان فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد مدح الصحابي أشج عبد القيس. بأن الله قد جبله على الأناة والحلم وهاتان الصفتان يحبهما الله ورسوله. فعن زارع بن عامر بن عبد القيس العبدي -رضي الله عنه- قال: “لما قدمنا المدينةَ، فجعلْنا نتبادرُ من رواحِلنا، فنقبِّل يدَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ورجلَه. وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عيبته فلبس ثوبيه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له إن فيك خلتين يحبهما الله الحلم والأناة. قال: يا رسول اللهِ ! أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال : بل الله جبلك عليهما. قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله” (أخرجه أبو داود في سننه والحديث صحيح).

والحديث يؤكد بشكل صريح أن الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- يحبان خلق الأناة. كما أن الحديث يؤكد الارتباط الوثيق بين خلق الأناة وخلق الحلم. فالحلم يجعل الإنسان متأنيًا في الحكم على الأمور متثبتًا عند سماع الأخبار.

إن ما سبق يؤكد أن خلق الأناة من الأخلاق المهمة في حياة المسلم. ولا شك أن الالتزام بهذا الخلق يجنبه الكثير من المخاطر التي قد يقع فيها بسبب تسرعه في حكمه على الأمور.

 

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية والتاريخية