خلق الإيثار: مفهومه ودعوة الإسلام إليه

الإسلام للمبتدئين 4 Shaban 1442 AH Contributor
خلق الإيثار
Photo by the dancing rain on Unsplash

يعد خلق الإيثار أحد الأخلاق الإسلامية التي جاء الإسلام بالدعوة إليه والتأكيد على فضلها ومكانتها. وإذا تحلى المسلم بهذا الخلق فإن هذا يعني ارتباطه الكبير بالآخرين وسعيه لإسعاد غيره. ولا شك أن انتشار هذا الخلق من أسس قيام المجتمعات الإسلامية. ولذلك فإن نصوص القرآن والسنة قد تواردت على بيان أهمية هذا الخلق.

مفهوم خلق الإيثار

يقصد بالإيثار تقديم الغير على النفس في تحقيق النفع. والإيثار يجعل الإنسان يكف عن بعض حاجاته لأن غيره يحتاجها. ويقوم الإنسان بتقديم تلك الحاجة لغيره بطيب نفس وسلامة صدر. وبهذا فإن الإيثار من أخلاق الكبار والنبلاء الذين يترفعون عن رغبات أنفسهم ومطالبها.

لقد دلّ على أهمية خلق الإيثار الكثير من آيات القرآن الكريم وأحاديث السنة النبوية. ومن بين الآيات التي دلت على أهمية هذا الخلق قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(سورة الحشر: 9). والآية من أوضح الأدلة على مكانة خلق الإيثار وأن المتصفين به قد بلغوا منزلة عظيمة في تقديم الغير على النفس.

والآية أيضًا مدح عظيم للأنصار الذين استقبلوا المهاجرين في المدينة. وضربوا أروع الأمثلة في الإيثار وتقديم إخوانهم عليهم. وقد حفلت كتب السنة بكثير من الروايات التي تؤكد إيثار الأنصار المهاجرين على أنفسهم. ومن أبرز ما روي في ذلك ما كان بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع -رضي الله عنهما. وكذلك غيرهما من الصحابة.

خلق الإيثار في النصوص الشرعية

ومن الآيات التي دلت على مكانة خلق الإيثار قوله تعالى:{ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ}(سورة آل عمران:92). وكذلك قوله تعالى:{لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}(البقرة:177).

وبالانتقال إلى السنة النبوية فإنها قد ذكرت كثيرًا من المواقف العملية على تطبيق خلق الإيثار. ومن ذلك ما روي عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الأشعريِّين إذا أرملوا في الغزو. أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثمَّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسَّويَّة. فهم منِّي، وأنا منهم” (أخرجه البخاري ومسلم). والحديث يؤكد فضل الإيثار والتكافل الاجتماعي.

ومن ذلك ما روي عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه قد حدَّث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه أراد أن يغزو فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار إنَّ مِن إخوانكم قومًا ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضمَّ أحدكم إليه الرَّجلين أو الثَّلاثة. فما لأحدنا مِن ظهرٍ يحمله إلَّا عُقْبَةٌ  كعُقْبَةِ. (يعني: أحدهم). فضممْتُ إليَّ اثنين أو ثلاثةً، قال: ما لي إلَّا عُقْبَةٌ كعُقْبَةِ أحدهم مِن جملي” (أخرجه أبو داود وأحمد والحديث صحيح). ويدل الحديث على مبادرة الصحابة إلى امتثال أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسارعة في تقديم العون والمساعدة لإخوانهم.

لا شك أن خلق الإيثار له الكثير من الفوائد على الصعيد الفردي والصعيد المجتمعي. من أبرزها أن المسلم بإيثاره غيره على نفسه يكون قد التزم أمر الله تعالى. كما أن الإيثار صورة عظيمة من صور التكافل الاجتماعي والتعاون على البر والتقوي.

 

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية والتاريخية