خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

خولة بنت ثعلبة: المجادلة التي أنزل الله فيها قرآنًا

ID 105803328 © Fabio Lamanna | Dreamstime.com

هي صحابية جليلة لها فضل سابغ، كانت لها أيدٍ بيضاء وشخصية ذات همة، تثور في الحق ولا تركن إلى الباطل، ويظهر ذلك من موقفها من يمين الظهار، وغير ذلك من مواقف. وهي خولة بنت ثعلبة، ويقال خويلة، ولكن خولة الأكثر شيوعًا. وقيل إنها خولة بنت حكيم، وقيل خولة بنت مالك بن ثعلبة بن أصرم بن فهر بن ثعلبة.

تميزت رضي الله عنها بالتقوى والخوف من الله، وكانت تتحرى الأحكام الشرعية، وقد وضح ذلك من موقفها مع زوجها حينما أراد أن يجامعها ذات يوم، وكان قد حدث بينهما نزاع أو شجار، ولم يتداركاه، وهنا تسرع زوجها أوس وقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي. فقالت له: “والله لقد تكلمت بكلام عظيم، ما أدري مبلغه”. ومعنى الظهار أي تحريم الزوجة على نفسه حرمة الأم بالنسبة للابن، أي لا يصح أن يأتي في جماع أو خلافه، وبذلك يكون البيت قد تهدّم، وانحلت أواصر الأسرة السعيدة. ورغم تسليمهما بما حدث، فإنها أخذت تفكر فيما حدث، وفي يوم قررت خولة الذهاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لتعرض عليه الأمر ويعود البيت إلى سابق عهده، ولتخبره بما ألمَّ بها من مأساة.

كنت رضي الله عنها جريئة في الحق ولا تخشى في الله لومة لائم، فقد روي أنها خرجت ذات يوم إلى الطريق، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير فيه فرآها فألقى عليها السلام فردت، ثم قالت له: “هيهات يا عمر لقد عهدتك وأنت تسمى عميرًا في سوق عكاظ ترعى الضأن بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي عليه الفوت”. وهنا قال لها الجارود العبدي وكان مرافقًا لعمر: “قد أكثرت أيتها المرأة على أمير المؤمنين. فقال له عمر: دعها، أما تعرفها، فهذه خولة بنت حكيم امرأة عبادة بن الصامت، التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات، فعمر والله أحق أن يسمع لها”. (ابن عبد البر، الاستيعاب 4/1831)، أي المجادلة التي جادلت زوجها فأنزل الله في أمرها قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.

كانت لها فصاحة وحسن بلاغة ولسان قويم، فقد كانت مجادلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد عنها أنها قالت: “فيَّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة. كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه. قالت: فدخل عليَّ يومًا، فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ فإذا هو يريدني عن نفسي. فلم رفضت ذلك قام وحاول مواثبتها، أي أن يجعلها تقع تحته للجماع، تقول: فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني. ثم خرجت إلى بعض جاراتها فاستعرت منها ثيابًا، ثم جاءت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو سوء خلق زوجها وما فعله معها. قالت: فجعل رسول الله يقول: “يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه”. قالت: فو الله ما برحت حتى نزل فيَّ قرآنَ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ”. (سورة المجادلة: 1-2)

وهنا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: “مريه فليعتق رقبة”. قالت: فقلت يا رسول الله، ما عنده ما يعتق. قال: فليصم شهرين متتابعين. قالت: فقلت: والله إنه لشيخ كبير، ما به من صيام. قال: فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر. قالت: فقلت: والله يا رسول الله، ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول الله: “فإنا سنعينه بعرق من تمر. فقلت يا رسول الله، وأنا سأعينه بعرق آخر. فقال: قد أصبت وأحسنتِ، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرًا”. (ابن عبد البر، الاستيعاب)

وتظهر تلك القصة رأيها السديد، وحكمتها وصبرها في مواجهة هذا الموقف العصيب.