خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

خُدعة عمرو بن العاص لقائد حصن الرومان

كان الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه داهية من دواهي العرب، ومن أولئك الذين يتمتعون بذكاء حاد وفطنة كبيرة استطاع بهما التغلب على أعتى المواقف وأكثرها شراسة وخطرًا، وخرج من بين براثن الموت كأن شيئًا لم يكن، بل والأعجب من ذلك كله أنه استطاع أن يحول بعض المواقف من هزيمة شبه محققة إلى انتصار كاسح، ذلك أنه كان رجلاً ممن يجيدون البديهة وحسن التصرف السريع، ولديه قوة في إدارة المواقف كلها. ونذكر لكم هنا قصة من هذا النوع العجيب الذي يدل على فطنته رضي الله عنه وحسن تصريفه للأمور:

دارت أحداث تلك القصة في أثناء أحداث محاربة الرومان في مصر، إذ قام قائد حصن بابليون بدعوته للمحادثة والتفاوض والوصول إلى قرار موحد، بينما كانت نية القائد الروماني غير سليمة، فقد عقد اتفاقًا مع جنوده، بصعود الأسوار وإعداد صخرة كبيرة تلقى عليه لدى خروجه من الحصن، فيكون بذلك قد تخلص منه وصفت له الأمور، وفي سبيل ذلك قام هذا القائد بكل ما يلزم من أجل إحكام الخدعة.

وبالفعل دخل عمرو بن العاص رضي الله عنه على قائد الرومان، وتمت المقابلة بينهما كما كان معدًّا لها، وفي طريق خروجه لمح بطرف عينه حركة ذهاب وإياب وكثرة الأعداد فوق الأسوار، وهنا نبهته حاسته بما يحاك له، ولذا تصرف بشكل مفاجئ، وعاد أدراجه إلى الحصن بخطوات وئيدة مطمئنة، بينما ظهرت على ملامحه البشاشة والابتسامة وكل ما يدل على ثقته وعدم خوفه وكأن شيئًا لم يكن، بحيث لا ينبه العدو إلى أنه تنبه لحيلته.

عاد مرة أخرى إلى داخل الحصن، ودخل على القائد الروماني، وبدا عليه الجدية في الأمر وأنه يتكلم بثقة شديدة، وقال بكلمات معبرات عن الوضع: “تذكرت أمرًا، وأردت أن أطلعك عليه. إن معي حيث يقيم أصحابي جماعة من أصحاب الرسول السابقين إلى الإسلام، لا يقطع أمير المؤمنين بأمر دون مشورتهم، ولا يرسل جيشًا من جيوش الإسلام إلا جعلهم على رأس مقاتليه، وقد رأيت أن آتيك بهم حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، ويكونوا من الأمر على مثل ما أنا عليه من بيّنة“.

وهنا شعر قائد الرومان أنه أمام حدث كبير، وأن عليه الصبر حتى يحصل على هذا العدد معًا، وأن عمرو بن العاص منحه فرصة ذهبية للتخلص من هذا العدد، لذا أخذ في مسايرته وموافقه على ما يقول، وذلك حتى يأتيه بهذا العدد الكبير فيتخلص منهم جميعًا، بدلاً من أن يقضي على شخص واحد فقط. وهنا أعطى القائد بإشارة إلى أحد جنوده بحيث لا يفهمها سواهما توحي بتأجيل أمر خطة الاغتيال. وفي تلك اللحظة همَّ عمرو بن العاص داهية العرب خارجًا، وودعه قائد الحصن بشكل أكثر حرارة من سابقه، فابتسم وهو خارج الأسوار آمنًا.

وعند حلول الصباح عاد إلى الحصن، لكن هذه المرة عاد بالجيش كله، وامتطى صهوة جواده، وأصبح في مواجهة الحصن تمامًا، بعد أن علم نوايا قائده، ودرس الحصن من الداخل، وظل على أبواب يقاتل مع جيشه إلى أن نصرهم الله وقاموا بفتح مصر.

لقد واجه عمرو بن العاص رضي الله عنه الخدعة بمثلها هنا، واستطاع بلطف الله أن ينجو من موت محقق. وتلك فراسة نادرة يرزقها الله من يشاء من عباده، فتكون لديهم ملكة قوية للشعور بالخطر، مع وجود يقظة وفكر حاضر، وسرعة بديهة. ولا شك أن الحرب خدعة وأن النصر لا يأتي لمن لا يحسن التصرف، وينهار أمام المواقف الصعبة، بل يحتاج إلى عمل وحسن تصرف وإلى حيل إذا لزم الأمر.