خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

خُلق التواضع

© Pop Nukoonrat | Dreamstime.com

خلق من الأخلاق الكريمة التي تسمو بالنفس وترتفع بها، وتجعل صاحبها يستشعر أنه صغير أمام عظمة الخالق، فلا يتكبر، ويخفض جناحه للناس حبًا لهم، فيرتفع بينهم دون أن يطلب ذلك. ولقد جرت حكمة الله أن مَنْ تواضع له رفعه وخلد ذكره وجعله من المقبولين في الدنيا والآخر. والتواضع هو أن ترضى بمنزلة أدنى من منزلتك الحقيقية التي تستحقها، وهو بذلك نوع من التنازل عن المرتبة بغرض تعظيم من تتواضع له، وهو صفة من الصفات المحمودة التي تظهر طهارة النفس وعفتها، وتعمل على إنزال المودة والمحبة في قلوب الناس، بما يكون له من ثمرات الرضا والترابط وإزالة مشاعر الحقد والحسد والكراهية بينهم.

وقد حث الله عباده على الاقتداء بهذا الخلق الكريم في مواضع متفرقة من كتابه العزيز، ومن ذلك قوله تعالى: “وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا” (الإسراء: 37). وهذا أمر واضح بترك الخيلاء والكِبر، وقد فسر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى قوله تعالى: ” وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا، بقوله: “هذا نهي عن الخيلاء، وأمر بالتواضع(تفسير القرطبي). والتواضع في مجمله وصية رب العالمين لعباده يجب أن يأخذوا بها إذا أرادوا النجاة والهداية والفلاح، وقد أمر الله بها رسوله فقال: “وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(الشعراء: 215). وقد فسر الإمام القرطبي تلك الآية بأنها دالة على التواضع فقال: “ألن جانبك لمن آمن بك وتواضع لهم، وأصله أن الطائر إذا ضمَّ فرخه إلى نفسه بسط جناحه، ثم قبضه على الفرخ، فجعل ذلك وصفًا لتقريب الإنسان أتباعه(تفسير القرطبي).

وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على التواضع وبذل الخير للناس، فقال: “إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد” (مسلم– 2198). وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم مبينًا فضل المتواضع ورفعته عند الله: “ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله؛ (مسلم– 69). وقد دل ذلك على أهمية التواضع ومنزلته العظيمة عند الله ورسوله، فهو من الأخلاق الراشدة الموجهة لعمل الإنسان، به لا يشعر بفخر ولا خيلاء ولا يتعالى على عباد الله، يصبح منهم وهم منه فتحدث الألفة والترابط والمحبة، وهذا هو القصد منه.

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم من أكثر الناس تواضعًا لله تعالى ولعامة المسلمين، فهذا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه يصل وهو خليفة المسلمين ماشيًا لتسلم مفاتيح القدس، وثيابه بها ما يزيد على 16 رقعة من القماش، وخادمه راكب مستريح لأن دوره في الركوب جعله كذلك، وهو في هذا الوقت أمير المؤمنين، ويمتلك دولة كبيرة وتصل جيوشه إلى أقاصي الأرض، ومع ذلك لم تغره الدنيا، ولم تجعله يتخلى عن تواضعه لله تعالى.

يقول سيدنا أبو بكر عن التواضع: “وجدنا الكرم في التقوى، والغنى في اليقين والشرف في التواضع(إحياء علوم الدين للغزالي). وفي السياق ذاته مدح عبد الله بن مسعود التواضع بقوله: “من تواضع لله تخشُّعًا، رفعه الله يوم القيامة، ومن تطاول تعظُّمًا، وضعه الله يوم القيامة(الزهد، لوكيع بن الجراح). ويبين هذا ثمرة التواضع ومنزلته، فهو رفعة عن الله وشرف للعبد المؤمن اللين الجنب التارك للتعالي والغرور.

ومن ثمرات التواضع الدنيوية أنه من أسباب المحبة وتآلف القلوب، وبه يحدث الترابط والتماسك في المجتمع فلا يتعالى أحد على أخيه، بل يتنازل كل منهم للآخر عن رضا نفس، وتسير الحياة في رباط بلا نازع ولا خلاف، فيرى كل واحد أن أخاه أحق منه فيتنازل له عما في يده، فتتقارب القلوب ويُنزع الغل والكراهية والأحقاد من الصدور.