درجات الصيام: كيف يحقق المسلم الغاية من الصيام

صيام 13 Ramadan 1442 AH عبدالله توبة
درجات الصيام
Photo by Michael Burrows from Pexels

لا شك أن الصوم من أفضل العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه في رمضان. ولذلك فإن شهر رمضان هو شهر الصيام. لأن الصوم العبادة التي تميز هذا الشهر عن غيره من الشهور. وقد فرض الله تعالى الصيام على المؤمنين من أجل الارتقاء بهم وتربيتهم وتهذيبهم وتحقيقهم منزلة التقوى كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة: 183).

والآية الكريمة توضح أن الله تعالى قد فرض الصيام على المؤمنين كما فرضه على الأمم السابقة. ويستفاد من الآية أن الصوم من العبادات التي فرضها الله تعالى على أهل الإيمان في جميع الرسالات. وقد تكون الكيفية مختلفة، لكن الصوم كان من الفرائض التي فرضها الله عليهم، والصوم درجات ومراتب وفي هذا المقال سنتعرف على درجات الصيام ومراتبه.

درجات الصيام ومراتبه

ذهب كثير من العلماء إلى الصوم له درجات ومراتب، ومن أبرز العلماء الذين تناولوا هذه المسألة أبو حامد الغزالي الذي قسم الصوم إلى ثلاث درجات: صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص.

صوم العموم

 هذه الدرجة الأولى من درجات الصوم ويقصد بها الإمساك عن شهوتي البطن والفرج. فالصائم في هذه الدرجة يكف عن الطعام والشراب والجماع فقط. دون أن تصوم جوارحه عن المحرمات والمنكرات فتراه صائمًا وقد أطلق لسانه في غيبة الناس أو الوقوع في أعراضهم. وربما يؤذي الناس بيديه ويعتدي عليهم. وقد سمي هذا الصوم بصوم العموم، لأن عامة الناس يصمون على هذه الطريقة. وكأنهم يجهلون الغاية التي من أجلها فرض الله الصيام على المؤمنين وهي تحقيق التقوى. ولذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم – قد حذر الصائمين من تضييع صيامهم بإطلاق الجوارح والوقوع في المحرمات.

وذلك فيما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ” (أخرجه البخاري). والحديث فيه تحذير شديد لمن يظنون أن الصوم يقتصر على الإمساك عن شهوتي البطن والفرج. دون الإمساك عن سائر المحرمات.

من درجات الصيام: صوم الخصوص

أما صوم الخصوص فهو الدرجة الثانية من درجات الصوم ويعني الإمساك عن الطعام والشراب والجماع. وإمساك الجوارح عن الفضول. وعن كل ما يشغل العبد ويمنعه من القرب من ربه سبحانه وتعالى. فالصائم في هذه الدرجة يحفظ جوارحه من الوقوع في المحرمات. ولعل ما يجسد هذه الدرجة ما روي عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- أنه قال: “إذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُك وَبَصَرُك وَلِسَانُك عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَآثِمِ. وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ، ولْيَكُنْ عَلَيْك وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلاَ تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صِيَامِكَ سَوَاءً” (أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف).

وعلى هذا فإن الصائم مطالب أن يحفظ سمعه وبصره وجوارحه وأن يبتعد عن الكذب وسائر المحرمات. كما أنه مطالب بالسكينة والوقار والاطمئنان فمن غير المنطقي أن يجعل يوم صومه ويوم فطره سواء، وكأن الصحابي الجليل جابر بن عبدالله يقول للصائم: ما دمت قد صمت وتكبدت مشقة الصوم فلا تفسد صومك بإطلاق جوارحك والوقوع في الآثام.

صوم خصوص الخصوص

 تأتي درجة صوم الخصوص كأعلى درجات الصوم على الإطلاق. ويقصد بها إضافة إلى ما سبق صوم القلب وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية، وهذه مرتبة عظيمة ودرجة كبيرة، لا يصل إليها إلا عباد الله المقربون، الذين يصومون عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية، ويرتبطون ارتباطًا وثيقًا بربهم سبحانه وتعالى.

 

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية والتاريخية