خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

دكتور مصطفى محمود ورحلته من الشك إلى اليقين

ID 176039733 © Hafizulla Mujawar | Dreamstime.com

تعرض كثير من الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ لتجارب دينية ساهمت في صقل أفكارهم ووصولهم إلى شاطئ اليقين بعد أن عبروا بحار الشك، ومن هؤلاء الدكتور مصطفى محمود، وهو طبيب وفيلسوف مصري ولد عام 1921م، ووافته المنية عام 2009م.

ألَّف الدكتور مصطفى محمود  عديد الكتب التي وصلت إلى 89 كتابًا في تخصصات متعددة كالدين والفلسفة والاجتماع والسياسة والمسرح وغير ذلك، ولم يكتف بالتأليف العلمي، بل قدم عدة برامج شيقة من أبرزها برنامج “العلم والإيمان” الذي امتدت حلقاته لأكثر من 400 حلقة، قدمت العلاقة الوثيقة بين العلم والإيمان بالله تعالى.

لقد كانت التجربة الدينية للدكتور مصطفى محمود فريدة من نوعها، حيث مكث قرابة ثلاثين سنة في شد وجذب حتى خرج بكتابه الماتع “رحلتي من الشك إلى الإيمان.”

وبالحديث عن أبعاد التجربة الدينية للدكتور مصطفى محمود؛ فقد تأثر بشكل كبير بالاتجاه الفكري الذي ظهر في أوائل ومنتصف القرن العشرين في مصر، حيث ظهر في بداية القرن العشرين كتاب لماذا أنا ملحد؟ لإسماعيل مظهر، الذي ترك أثرًا بين بعض المفكرين، وجاءت فترة الستينيات والسبعينيات من القرن ذاته، لتعلن عن صعود الشيوعية في كثير من دول العالم، ولا شك أن الدكتور مصطفى محمود قد تأثر بهذا الطرح، ولم تخل هذه الفترة من صراع فكري تحدث عنه الدكتور مصطفى محمود، حتى استوى الأمر عنده على سوقه، وخرج لنا بكتاب لخص فيه تجربته الدينية أطلق عليه رحلتي من الشك إلى اليقين، وكان ذلك عام 1970م.

كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان

لخص الدكتور مصطفى محمود تجربته ورحلته من الشك إلى اليقين في هذا الكتاب، الذي تناول فيه بعض القضايا المهمة كوجود الله سبحانه وتعالى والأدلة على وجوده والعلاقة بين الجسد والروح، وعلاقة العدل الإلهي بما يعرض للإنسان من ابتلاءات، وبالجملة فالكتاب يؤكد حقيقة مفادها أن وجود الله سبحانه وتعالى كبرى اليقينيات الكونية.

لقد كانت قضية وجود الله تعالى الشغل الشاغل لكثير من الفلاسفة والمفكرين عبر العصور، إذ إن الإجابة عليها يحل المسائل كلها، ومع أن وجود الله سبحانه وتعالى فطرة في كل إنسان منا، إلا أن البعض قد تنتكس فطرته فينكره، وقد أشار الدكتور مصطفى محمود لهذا الأمر.

ويرى الدكتور مصطفى محمود أن الروح من الأسرار العجيبة التي لم يستطع أحد الوصول إلى كنهها، وتدل – بحد ذاتها- على وجود الله سبحانه وتعالى، ذلك أن هذه الروح بها قوام حياة الإنسان ومع ذلك لم يستطع أحد أن يلمسها أو يصفها وصدق الله تعالى في قوله:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} الإسراء: 85.

إن وقوع المصائب والكوارث والابتلاءات قد دفعت البعض إلى إنكار الوجود الإلهي وهذا ما أشار إليه الدكتور مصطفى محمود، لكن لو تأمل الإنسان الأمر من جميع زواياه لتأكد أن ذلك يدل على حكمة الخالق سبحانه وتعالى، فقد يكون الابتلاء رحمة للإنسان، ورفعًا لدرجاته، ثم إننا لا يمكن لنا أن ندرك قيمة النعمة إلا إذا رأينا النقمة، وقد بنيت الحياة على الخير والشر، والصفاء والكدر.

يحاول الدكتور مصطفى محمود أن يوضح ذلك كله في كتابه، الذي يعد -من وجهة نظري-  أهم كتبه على الإطلاق، ولا يسع الإنسان بعد الوقوف مع حقائق الوجود الكبرى إلا أن يقول سبحان الخلاق العليم!

وأخيرًا فإنني أرى أن تجربة الدكتور مصطفى محمود وثيقة الشبه بتجربة الإمام أبي حامد الغزالي، الذي خرج أيضًا من شك الفلسفة ودركاتها إلى يقين الإيمان بالله والترقي في درجاته.

إن الرحلة التي خاضها الدكتور مصطفى محمود تدل على أنه مفكر منصف استطاع أن يوازن بين الأمور، وأن يصل في نهاية المطاف إلا ما هداه إليه قلبه وعقله، إنه الإيمان المطلق بالله تعالى.