خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

ذكاءُ أبي دلامة وسرعة بديهته

ID 183707602 © Alberto Zamorano | Dreamstime.com

هناك أناس يتميزون بسرعة الرد والتفكير وحسم الأمور سريعًا، وتلك سمة تجعلهم من أصحاب الرأي والمشورة، كما أنها تكسبهم سرعة البديهة والفطنة وتجعلهم يتفوقون على الآخرين في قدراتهم العقلية. ومن تلك الأشخاص الذين يتميزون بتلك السمة، أبو دلامة الشاعر الفصيح صاحب العقل الفطن واللسان المجيد، رويت عنه القصص والحكايات، فقيل إنه كان يجالس الخلفاء والأمراء، وأنه كان يستغل المواقف أحسن استغلال، فإذا ما لاحت له الفرصة استزاد منها، وإذا طلب منه الخليفة أن يطلب منه أمرًا ما، طلب شيئًا بسيطًا، فظنه الخليفة أمرًا هينًا، فيطلب منه أشياء أخرى تليق بمكانته، ولم كان أبو دلامة سريع البديهة فإنه كان يطلب الأمور بشكل تصاعدي من الأصغر إلى الأكبر حتى يصل إلى مطلبه كاملاً غير منقوص. ونذكر هنا موقفًا له مع الخليفة أبي العباس السفاح، لكي نتعرف إلى سرعة بديهته وفطنته.

مما يروى أن أبا دُلامة الشاعر كان واقفًا ذات يوم بين يدي الخليفة أبي العباس السفاح فقال له الخليفة: سلني حاجتك؟ أي اطلب ما تشتهي دون ترد، وهنا أحس أبو دلامة بأنه لا بد أن يطلب كل ما يريد ولكن بفطنة وذكاء. فقال أبو دلامة للخليفة: أريد كلب صيد. وهذا شيء لا يتوقع من رجل يسأله الخليفة عن أمر مهم يطلبه ليحققه له. لذا قال الخليفة: أعطوه إياه. فأتبع ذلك أبو دلامة بسرعة وقال: ودابة أتصيد عليها. فقال: أعطوه دابة. وظل أبو دلامة يطلب الأمر ثم يتبعه بما يكمله دون توقف، وذلك على النحو التالي:

فقال: “وغلامًا يقود الكلب والصيد. فقال الخليفة: أعطوه غلامًا. فقال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه. فقال الخليفة: أعطوه جارية. ثم أردف قائلاً: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال ولا بد لهم من دار يسكنونها”. والخليفة يتعجب من طلبه الصغير الذي بدأ يكبر شيئًا فشيئًا دون أن يدري ماذا يفعل مع سرعة بديهته وترتيبه للأمر، فالكلب أصبح غلامًا وجارية ودارًا. ولم يكن هناك بد من أن يجيبه الخليفة، والذي قال لمن حوله: “أعطوه دارًا تجمعهم”.

كان يجب أن يكتفي أبو دلامة بما حققه من مكاسب، لكن سرعة تفكيره وحسن منطقه دفعه إلى أن يتساءل: “وإن تكن لهم الدار فمن أين يعيشون؟”, لذا فقد وضع الخليفة في مأزق النفقة، لذا ما كان منه إلا أن قال: “قد أقطعتك عشرة ضياع عامرة وعشرة غامرة من فيافي بني إسرائيل”. فلم يفهم مقصد الخليفة، لكنه تحرك بسرعة وقال: “وما معنى الغامرة يا أمير المؤمنين؟”، فقال الخليفة: “ما لا نبات فيها”. بما يعني أنها ليست مفيدة في أي شيء، لذا كان لا بد لأبي دُلامة أن يتصرف بسرعة وإلا ضاعت عليه الضياع وسبيل معيشته، لذا قال في لهجة تشبه لهجة الخليفة: “قد أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيافي بني سعد”. وقد تعجب الخليفة من قوله ذلك وفهم قصده، وضحك وارتفع صوتك، ولم يكن أمامه بد إلا أن قال: “أعطوه كلها عامرة”.

قال الحافظ عن هذا الموقف وما دار فيه: “فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها كيف ابتدأ بكلب صيد فسهل القضية وجعل يأتي بمسألة مسألة على ترتيب وفكاهة حتى نال ما سأله. ولو سأل ذلك بديهة لما وصل إليها، بارك الله فيه”. أي أنه بدأ من الشيء القليل متجهًا إلى الأكثر أهمية حتى وصل من طلبه لكلب صيد إلى غلام يكون خادمًا له، ثم جارية تكون له زوجة وتعد له الطعام، ثم دار يسكنون فيها، ثم ضياع يعيشون من ريعها. وهكذا فقد كان القليل طريقًا للكثير، ولو بدأ بالكثير لما نال شيئًا مما طلب، فكانت تلك فطنة أبي دلامة وسرعة بديهته.