خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

ذكاء “معاوية ابن أبي سفيان” وفطنته

ID 25091924 © Robert Lerich | Dreamstime.com

كان الخليفة الأول في الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان، من أكثر العرب في عصره حنكة وذكاء، وقد روي عنه الكثير في هذا الباب، وكانت له مكانته، وهو صحابي جليل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، قال عنه اليعقوبي والمسعودي: “وكان لمعاوية حلم ودهاء ومكر ورأي وحزم في أمر دنياه، وجود بالمال“. وفي هذا المقال سنحاول ذكر بعض المواضع التي تدل على حنكته رضي الله عنه، وحسن إدارته للأمور، وفطنته في كشف الأشياء والوصول إلى ما يريد.

يقول ثعلب أن معاوية نظر يوم صفين إلى أحد جانبي معسكره، وقد وجده مائلاً، فلمحهأي نظر إليهفاستوىأي اعتدل، ونظر إلى الجانب الآخر فوجده مائلاً أيضًا، فلمحه فاستوى، فقال له بعض من معه: أهذا دبرته منذ زمن عثمان؟ فقال: هذا والله كنت قد دبرت هذا منذ زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ودل ذلك على حنكته وحسن تدبيره، وسياسته للأمر.

ويحكى أن رجلاً دخل على حاجب معاوية رضي الله عنه، فقال له: قل لأمير المؤمنين أخوك لأبيك وأمك بالباب. فعرض الأمر على معاوية فقال: ما أعرف هذا، ادخله. وعندما دخل الرجل قال عليه، أخذ يسأله: أي الأخوة أنت؟ فقال له: ابن آدم وحواء. فقال معاوية لحاجبه: أعطه درهمًا. فتعجب الحاجب وقال: تعطي أخاك لأمك وأبيك درهمًا! فقال له: لو أعطيت كل أخ لي من آدم وحواء ما بلغ إليك هذا.

ومما جاء في هذا الباب أن معاوية ذات يوم سأل عمرو بن العاص: ما بلغ عقلك؟ فرد عليه قائلاً: ما دخلت في شيء قط إلا خرجت منه. وعنئذٍ قال معاوية: لكنني ما دخلت في شيء قط وأردت الخروج منه! وفي رواية أخرى قال عمرو: “والله يا أمير المؤمنين، لا توجد مشكلة إلا وخرجت منها“. فقال معاوية: “أما أنا، فكان دهائي حرزًا لي من أن أقع فيما يسوءني“.

وقد وردت القصة بصيغة أخرى إذ سأل معاوية عمرو بن العاص: “ما بلغ من عقلك؟قال عمرو: “ما دخلت في شيء قط إلا خرجت منه“. قال معاوية: “لكنني ما دخلت في شيء قط وأردت الخروج منه“.

ويعلق على تلك القصة الكاتب محمود عباس العقاد قائلاً،لم يكن عمرو ليقتحم المخاطر على الرغم منه، ثم يبحث عن مخارج النجاة منها، ولكنه يقتحم الخطر، ويقول غير مرة: “عليكم بكل مزلقة مهلكة، لأنه كان على ثقة بدهائه كلما ثاب إليه، وعلى وفاء لطبيعة الإقدام والاقتحام التي تقترن بالعبقرية، ودوافع القوة والحيوية“. لقد كان ذكاء معاوية مختلفًا إذ إنه لا يورط نفسه في الأمور التي تجر عليه الويلات، ولكن عمرو كان يدخل إلى المشاكل ويصطدم بالخطر، ثم يأخذ في البحث عن حل لتلك المعضلات، في حين أن معاوية يحسب لكل شيء حسابًا في يقع أصلاً في المزالق ولا المشكلات.

كان معاوية شجاعًا وداهية، قاتل المرتدين في معركة اليمامة، ودافع عن الإسلام، وينسب له فكرة بناء الأسطول الحربي، حيث أمر ببناء السفن من أجل الدفاع عن المدن الإسلامية الساحلية، وكان يهدف لصناعة أضخم أسطول حربي بحري. فتح الشام، ومدينة صيدا، وجبل بيروت. تولى قيادة الجيش الإسلامي في عهد الخليفة أبي بكر الصديق، وأمد أخيه يزيد بن أبي سفيان، ثم لما توفى تسلم الولاية على دمشق مكانه في فترة خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم تولى ولاية الأردن بعد ذلك، وكانت ولايته على دمشق عشرين سنة، منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب ومن بعده عثمان بن عفان. وتملك الملك بعد ذلك عشرين سنة أخرى، حتى مات عن عمر يناهز 78 عامًا ودفن في دمشق. ومن الملاحظ أنه لم يكن قادرًا على الحكم طيلة أربعين سنة إلا عن فطنة وذكاء ودهاء امتلكها في شخصيته.