خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

رحلة ابن فضلان إلى بلاد الخزر

من خلال رحلة أحمد بن فضلان، التي قام بها بأمر من الخليفة العباسي المقتدر بالله، وكان الغرض منها أن يذهب إلى ملك الصقالبة، وفي طريق عودته ابن فضلان مر على بلاد الروس وبلاد الخزر أو بلاد الترك القديمة، فقد قام بوصف تلك البلاد ودوّن رحلته وقدم وصفًا دقيقًا لكل مرحلة فيها، ثم قدمته بعد عودته إلى الخليفة. ونقف هنا على شيء من أوصافه لبلاد الخزر وإلى ملكهم وأوضاعهم الداخلية إبان تلك الحقبة.

يصف ابن فضلان ملك الخزر واحتجابه عن شعبه فيقول: “فأمّا ملك الخزر واسمه خاقان فإنه لا يظهر إلا في كل أربعة أشهر متنزهًا ويقال له خاقان الكبير، ويقال لخليفته خاقان به وهو الذي يقود الجيوش ويسوسها ويدبّر أمر المملكة ويقوم بها ويظهر ويغزو وله تذعن الملوك الذين يصاقبونه “أي يجاورونه ويقعون تحت طاعته”، ويدخل في كلّ يوم إلى الخاقان الأكبر متواضعًا يظهر الأخبات “أي الطاعة” والسكينة ولا يدخل عليه إلا حافيًا وبيده حطب، فإذا سلم عليه أوقد بين يديه ذلك الحطب، فإذا فرغ من الوقود جلس مع الملك على سريره عن يمينه، ويخلفه رجل يقال له كندر خاقان”.

ويبين الوصف السابق ترتيب المناصب في مملكة الخزر، فالخاقان الأكبر هو الملك، ويأتي من بعده خاقان به وهو خليفة يقود الجيوش ويقوم على أمر المملكة، وهو من يمتلك السلطة الفعلية في البلاد، ولكنه يظل تحت طاعة الخاقان الأكبر ويدخل عليه مجلسه حافيًا لإثبات الولاء، ويمسك في يديه بعض الحطب. ومن الأشياء الغريبة أن الملك الأكبر رسم لنفسه ألا يجالس للناس ولا يكلمهم ولا يدخل عليه أحد غير عدد محدود من الناس، وقد جعل الخاقان به مسؤولاً عن العقوبات والأمور والقضايا ويخلفه في كل شيء.

ومن ضمن الطقوس الغريبة التي تحدث عنها ابن فضلان أن الملك الأكبر: “الملك الأكبر إذا مات أن يبنى له دارٌ كبيرة فيها عشرون بيتًا، ويحفر له في كلّ بيت منها قبر وتُكسر الحجارة حتى تصير مثل الكحل وتفرش فيه، فوق ذلك وتحت الدار نهر، والنهر نهر كبير يجري، ويجعلون القبر فوق ذلك النهر ويقولون: حتّى لا يصل إليه شيطان ولا إنسان ولا دود ولا هوام. وإذا دفن ضربت أعناق الذين يدفنونه حتى لا يُدرى أين قبره من تلك البيوت، ويسمى قبره الجنة، ويقولون: قد دخل الجنة وتفرش البيوت كلّها بالديباج المنسوج بالذهب”.

من ضمن الطقوس الغريبة أيضًا أن ملك الخزر كانت: “له خمس وعشرون امرأة كلّ امرأة منهنّ ابنة ملك من الملوك الذين يحاذونه يأخذها طوعًا أو كرهًا، وله من الجواري السراري  لفراشه ستون ما منهن إلا فائقة الجمال وكلّ واحدة من الحرائر.

وإذا ركب هذا الملك الكبير ركب سائر الجيوش لركوبه، ويكون بينه وبين المواكب ميل فلا يراه أحدٌ من رعيته إلا خرّ لوجهه ساجدًا له لا يرفع رأسه حتى يجوزه. ومدة ملكهم أربعون سنة إذا جاوزها يومًا واحدًا قتلته الرعية وخاصته وقالوا: هذا قد نقص عقله واضطرب رأيه. وإذا بعث سرية لم تولَ الدبر  بوجه ولا سبب فإن انهزمت قتل كل من ينصرف إليه منها، فأمّا القواد وخليفته فمتى انهزموا أحضرهم وأحضر نساءهم وأولادهم فوهبهم بحضرتهم لغيرهم وهم ينظرون، وكذلك دوابّهم ومتاعهم وسلاحهم ودورهم، وربّما قطع كلّ واحد منهم قطعتين وصلبهم، وربّما علّقهم بأعناقهم في الشجر”.

وكانت لملك الخزر مدينة عظيمة على نهر يسمى إتل، ولها جانبان: “في أحد الجانبين المسلمون وفي الجانب الآخر الملك وأصحابه، وعلى المسلمين رجل من غلمان الملك يقال له خز وهو مسلم، وأحكام المسلمين المقيمين في بلد الخزر والمختلفين إليهم في التجارات مردودة إلى ذلك الغلام المسلم لا ينظر في أمورهم ولا يقضي بينهم غيره”.

تلك بعض من أهم الأوصاف التي أوردها ابن فضلان لملك الخزر ومملكته.

المرجع:

كتاب: رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة، المؤلف: أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد.