رحلة المعتمد بن عباد من القصر إلى الأسر

تاريخ 18 Ramadan 1442 AH محمود أبوقورة
المعتمد بن عباد

تعد قصة الأمير المعتمد بن عباد من القصص التي تجسد السقوط المدوي؛ فبعد أن كان حاكم إشبيلية ذات الخيرات الوافرة وصاحب القصر فيها. أصبح في نهاية الأمر أسيرًا ومنفيًّا عن الأندلس كلها. لقد عاش سنوات كثيرة عامرة بالخير والوفرة والنعمة. ثم ألقي دُفعة واحدة إلى مهالك التشرد والنفي والبؤس. ولذا فإن قصة هذا الرجل تجمع بين النقيضين معًا، القصر والأسر، الاستقرار والنفي.

بدأت القصة حينما انهارت عُرى الخلافة الأموية في الأندلس في بدايات القرن الخامس الهجري. حيث تحولت الأندلس إلى عصر الدويلات والإمارات المستقلة. حيث أعلن كل أمير نفسه ملكًا على ما في يده من الأرض، فسمّي العصر بـــ (ملوك الطوائف). وكان من صفاته التناحر والتدافع والعداوات بين ملوك الأندلس. وقد جردوا السيوف ودخلوا في صراعات داخلية كثيرة، في حين أن القشتاليين قد بدؤوا يتوحدون تحت راية واحدة، مما جعلهم قوة لا يستهان بها.

المعتمد بن عباد في إشبيلية

ورث المعتمد بن عباد مُلك إشبيلية عن أبيه وهو في الثلاثين من عمره (461 هـ)، وكان طموحًا مثل أبيه. فواصل رحلة ضم الممالك من حوله. حتى دخل ضمن حكمه كل من: غرناطة، ومالقة، وقرطبة، ورندة، وقرمونة، ولبلة، وشلب، وباجة… وغيرها. مما جعل مملكة إشبيلية من أكبر ممالك الأندلس وأكثرها منعة.

وكان المعتمد شابًا فتيًا وشاعرًا مُجيدًا جمع من حوله أدباء الأندلس مثل: ابن زيدون، وأبي بكر بن عمار، وابن اللبانة، وابن حمديس… وغيرهم. وكانت إشبيلية مدينة زاهرة غنية بالقصور والضياع والبساتين، وبدلاً من تعزيز الملك بالوحدة الأندلسية. سلك بن عباد مثل جده وأبيه طريق الاستكانة لألفونسو السادس ملك قشتالة وليون، وقام بموالاته على حساب إخوانه من الأندلسيين المسلمين، ودفع له الجزية صاغرًا لكي يتركه في حال سبيله.

القشة التي قسمت ظهر البعير

كانت القشة التي قسمت مُلك المعتمد ابن عباد وظهره في آن معًا. هي السياسة المتخاذلة التي اتبعها الرجل وسار في ركابه أغلب ملوك الطوائف. حيث كان كلّ منهم يكاتب ألفونسو ويسترضيه على حساب إخوانه المسلمين. ولم يستفيقوا حتى حاصر ألفونسو طليطلة وأسقطها في الأول من صفر سنة 478 هـ. فقد كان لسقوطها واقع في نفوس الناس، ولو أنهم قاموا لنجدتها لردوا العدوان عنها، ولكنّ ما منعهم أمر يندى له الجبين، وهو ألا يخسروا اتفاقاتهم مع ألفونسو السادس. والذي اشترط عليهم ألا يعارضوه أو يساعدوا أهل طليطلة حينما يعتزم على أخذها، باعتبارها مدينة الأجداد ولها مكانة في نفوس أهل قشتالة.

وقد شعر ابن عباد بعاقبة الأمر بعد ذلك، ولكن الوقت قد فات، فقد أصبح ألفونسو أقوى من ذي قبل، وبدأ يتنصل من وعوده واتفاقياته بعد شعوره بلذة النصر. وأخذ يغير على القرى والحصون الأندلسية، ويقتل ويأسر، ووصل به الأمر في النهاية إلى تهديد سرقطسة وإشبيلية وبطليوس.. وغيرها.

وقد أدركوا الآن أن عصر الدعة والراحة قد ولى للأبد، فسقوط ممالكهم مسألة وقت ليس إلا، وخاصة وأن ألفونسو لن يهدأ حتى يستحوذ عليها. وهو لن يتركهم يرتاحون أو يستجمعون قوتهم، فقد أغار على المروج والمناطق القريبة من ملكهم ليعطيهم رسالة واضحة أنه قادم لأخذ ما في أيديهم. وأحس ملوك الطوائف أنهم إذا لم يتحدوا في تلك المعركة، فإنهم سينتهون إلى الأبد.

نهاية درامية

شعر المعتمد في تلك اللحظة أنه أكثر الملوك في الأندلس تحملاً للمسؤولية. لكونه قد بسط يده لألفونسو ورضي بشروطه المخزية. ولذا لم يجد من بدّ – وقد أضحى الجيش القشتالي على أبواب مُلكه- أن يستعين بإخوانه المرابطين من أهل المغرب، لكي يعينوه على تصحيح خطئه الذي وقع فيه. وبعد أن وافق على طلبه قائد المرابطين يوسف بن تاشفين. بدأت مرحلة جديدة في حياة الأندلس، واستعادة البلاد عافيتها مدة من الزمن. وانتهى الأمر بالمعتمد بن عباد إلى إرساله منفيًّا إلى “أغمات” بالمغرب، حيث قضى الفصل الأخير من حياته فيها.

الكاتب: محمود حنفي أبوقُورة

باحث أكاديمي