خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

رحلة سيف بن ذي يزن لتخليص اليمن من الأحباش

كانت اليمن واقعة تحت مُلك الأحباش، وساد عليها أكثر من ملك منهم، وبلغت السيطرة على اليمن أقصى درجاتها في عهد أبرهة ومن بعده ابنه يكسوم ثم ابنه مسروق، وفي عهد الأخير ظهر في اليمن رجل ذو همة عالية، فقد سعى إلى تخليص بلاده من ظلم الأحباش وطردهم. يقول ابن هشام عن ذلك: “فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري وكان يكنى بأبي مُرة، حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكا إليه ما هم فيه وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو “أي: يتملك عليهم”، ويبعث إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يجبه إلى ذلك”.

ولم ييأس سيف فخرج حتى وصل الحيرة عند النعمان بن المنذر، وكان حينها عامل كسرى على الحيرة وما يتبعها من أرض، فشكى أمر الحبشة وما يقع فيها من ظلم، فقال له النُعمان: “إن لي على كسرى وفادة في كل عام، فأقم حتى يكون ذلك ففعل ثم خرج معه فأدخله على كسرى وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه”. وكان تاجه عظيمًا به اللؤلؤ والزبرجد والذهب والفضة، فلم يكن يراه رجل إلا برك على الأرض هيبة له. ثم أخذ سيف يشتكى أمر اليمن لكسرى، فقال: “أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة فقال له كسرى أي الأغربة، الحبشة أم السند، فقال بل الحبشة فجئتك لتنصرني ويكون ملك بلادي لك قال بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لأورط جيشًا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم، وكساه كسوة حسنة”.

ولما كانت حاجة سيف في النصر والمساندة ولم تكن في المال فقد لجأ إلى حيلة غريبة، إذ بدأ يوزع المال الذي قبضه على الناس وينثره في الأسواق، فبلغ ذلك كسرى فقال له: عمدت إلى حباء الملك “أي: أُعطيته” تنثره للناس، فقال وما أصنع بهذا، ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة”. أي يرغبه في اليمن لمساعدته، فجمع كسرى مرازبته وقال لهم ما ترون في أمر هذا الرجل؟ فقالوا له: امنحه السجناء المحكوم عليهم بالقتل في سجونك، فإن ماتوا فهذا حكمهم، وإن نجوا أخذوا فرصة ثانية للحياة.

فكان العدد المتاح قرابة 800 رجل ، فاستعمل عليهم رجل يدعى وهرز وكان من أفضلهم حسبًا وبيتًا: “فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له رجلي مع رجلك حتى نموت جميعًا أو نظفر جميعا قال له وهرز أنصفت، وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنده فأرسل إليهم وهرز ابنًا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم فقُتل بن وهرز فزاده ذلك حنقًا عليهم”.

وقال وهرز أروني ملكهم فقالوا له أترى رجلاً على الفيل عاقدًا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوته حمراء قال نعم، قالوا ذاك ملكهم فقال اتركوه، قال فوقفوا طويلاً ثم قال علام هو؟ قالوا قد تحول على الفرس، قال اتركوه، فوقفوا طويلاً ثم قال علام هو؟ قالوا قد تحول على البغلة، قال وهرز بنت الحمار ذُل وذُل ملكه إني سأرميه. وكانت الخطة أن يرميه وهرز فإن أصابه عرفوا ذلك من حركة أصحابه نحوه أو تقدمهم للأمام. لذا أعد قوسه ووتره بشدة ثم رماه فأصاب الياقوتة التي بين عينيه فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه ونكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس وانهزموا فقتلوا وهربوا في كل وجه وأقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتي منكسة أبدًا أهدموا الباب فهدم ثم دخلها ناصبًا رايته فقال سيف بن ذي يزن الحميري:

يظن الناس بالملكي … ن أنهما قد التأما

ومن يسمع بلأمهما … فإن الخطب قد فقما

قتلنا القيل مسروقًا … وروينا الكثيب دما

المرجع:

السيرة النبوية، ابن هشام.