رحلة في جبال الأنديز

سفر 19 Jumada Al Akhira 1442 AH Contributor
جبال الأنديز
© Yurasova | Dreamstime.com

تُشكل جبال الأنديز سلسلةً جبليةً تمتد على طول الساحل الغربي لقارة أمريكا الجنوبية، يصل طولها ما يقرب من “7100 كليو متر”. أما عرضها فيصل إلى “500 كيلو متر”، أما متوسط ارتفاعها فهو “4000 متر”، وعبر سبع دول تمتد تلك الجبال لتشكل حلقة وصل بينها جميعًا.

وهذه الدول هي: الأرجنتين، وبيرو، والإكوادور، وتشيلي، وبوليفيا، وفنزويلا، وكولومبيا. ولذا فإن جبال الأنديز تمثل لغزًا يستعصي على الحل، نظرًا لامتدادها وارتفاعها الكبيرين. ويعود تسميتها بهذا الاسم إلى نشاط بركاني أطلق ما عُرِف بالأنديزيت في هذه المنطقة.

وهو ما أدى إلى تكوين تلك الجبال التي تعتبر أعلى قمة جبلية خارج قارة آسيا. ينتشر الجليد في أغلب السلسلة، ويصبح متراكمًا طبقات فوق بعضها عند أعلاها، ولذا فإن الذهاب إلى هناك ليس بالأمر السهل على الإطلاق.

التحطم الكارثي لرحلة الخطوط الجوية الأورجوانية فوق جبال الأنديز

لا يمكن لنا وصف أي شيء يُظهر طبيعة الأنديز أقرب من تلك الرحلة التي تحطمت هناك، وقد عاش الركاب رحلة عذاب صعبة، انتهى الحال ببعضهم للموت هناك جوعًا، وببعضهم إلى الوصول إلى بر الأمان بعد 72 يومًا من البقاء فوق تلك القمم الثلجية القاتلة.

حيث اصطدمت رحلة سلاح الجو الأورجواني رقم “571” بأعلى جبال الأنديز. وفي منطقة صعبة وغير مرئية لطائرات البحث والاستطلاع، وكان ذلك في عام 1972 م. وبمجرد الاصطدام انقسمت الطائرة الكبيرة إلى قسمين: المقدمة وبداية صالة الركاب، وباقي الطائرة الذي يحمل أغلب الركاب.

لقد عُزل الركاب الواقعون في الجزء الأكبر من الطائرة. ومن تصاريف القدر أن أغلبهم ظل حيًّا، في حين مات عدد قليل وعلى الأخص طاقم الطائرة. حيث كانوا في الجزء الأمامي الأكثر تعرضًا للضرر. حين استفاق الركاب الناجون من الاصطدام، وجدوا أنفسهم في بيئة شديدة الخطورة.

وبدأت أصوات الألم في التصاعد شيئًا فشيئًا، فأخذوا بأيدي بعضهم بعضًا. للخروج من جسم الطائرة المتحطم، ونظروا حولهم فلم يجدوا سوى لون الجليد الأبيض في كل مكان، فأدركوا أنهم في عزلة حقيقية أعلى جبال الأنديز.

العزلة أعلى الأنديز لمدة 72 يومًا

عرف الجميع أنهم في ورطة كبيرة، وأن حياتهم مرهونة بأمرين: الأول: توافر الطعام الكافي والماء، والثاني: أن تراهم طائرات الاستطلاع والبحث فتحدد موقعهم ويتم إنقاذهم. ولذا فكروا سويًّا “وكان عددهم لا يتخطى عشرين شخصًا” في هذين الأمرين.

دخلوا إلى جسم الطائرة وبدءوا في إنقاذ المصابين، وفتشوا في الحقائب وأخرجوا منها الأطعمة المتوفرة. ووزعوها بشكل محدد للغاية بحيث تكفيهم لأطول وقت ممكن. فقد كانت حبة واحدة من الشكولاتة كافية لغذاء يومين. أما الماء فقد قاموا بصنع أقماع من جسم الطائرة ووضعوا فيها الثلج نهارًا. وبعد عدة ساعات يحصلون على قطرات قليلة. وفي المساء يغلقون الجزء المفتوح في الطائرة بحقائبهم، ويجلسون دون حراك فترات طويلة للغاية لكي لا يفقدون مزيدًا من السعرات الحرارية.

مرت عليهم في جبال الأنديز طائرات كثيرة قريبة منهم، لكن لم تستطع واحدة أن تراهم. وبعد مرور بضعة أيام توقفت عمليات البحث بحجة أنهم قد فارقوا الحياة الآن. ولكنهم ظلوا متمسكين بالأمل في الحياة. وحين نفد ما لديهم من طعام، وحين بدءوا يقبلون على الموت، لاحت لهم فكرة أخرى شنيعة للغاية؛ إذ أكلوا بعض لحوم الجثث من حولهم. واستمر الوضع أيامًا على ذات المنوال.

ولكنهم أدركوا الهلاك إذا لم يقوموا بفعل شيء ما، وبالفعل تبرع ثلاثة أشخاص بالقيام بعملية عبور للأنديز وصولاً للأماكن المؤهولة بالسكان. صنعوا وسائد لأقدامهم من جسم الطائرة واستندوا على عصي، وأخذوا يجتازون جبال الأنديز الباردة. وفي منتصف الطريق مات أحدهم، فاستكمل الرجلان المتبقيان الرحلة، وبعد سير امتد عديدة أيام، وصلوا إلى نهاية السلسلة الجبلية.

ورآهم رجل محلي يقطن المنطقة، فهرع إليهم وأنقذهما، وعلم أنهما من ركاب الطائرة المفقودة، لذا تواصل مع السلطات التي هرعت إلى الموقع المحدد وقامت بإنقاذ من تبقى حيًّا منهم بعد 72 يومًا من تحطم الطائرة في جبال الأنديز.

 

كتبهُ: محمود حنفي أبوقُورة

كاتب أكاديمي وشاعر