خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

رفاهية الوقت في مراحل العمر المختلفة

ID 153886187 © Carabiner | Dreamstime.com

هل أصبح لدينا رفاهية في الوقت؟ هل أصبحنا كما كنا سابقًا؟ لقد كان الإنسان فيما مضى يشعر بأن لديه رفاهية للوقت وإحساسًا بأنه يملك وقتًا كبيرًا ولا يستطيع التصرف فيه. أما الآن في ظل التكنولوجيا التي نعيش بها اليوم، وفي ظل التسارع الذي نحياه، فقد أصبحت حياتنا أشبه بقطار سريع يجري على قضبان حديدية بشكل مستمر، لقد أصبحنا ننظم وقتنا من كثرة انعدام رفاهية الوقت، وغدت حياتنا متخمة بالأعباء والأعمال التي لم تكن موجودة من قبل. والرفاهية في الوقت تتمثل في أن نجد متسعًا في استخدام الوقت الذي نملكه، وما دمنا نملك جزءًا منه فإننا نملك ثروة طائلة إذا علمنا كيف نتحكم به في مراحل حياتنا المختلفة.

وإذا نظرنا إلى حياتنا ابتداءً من الصغر إلى الكبر، وجدنا أننا نمر فيها بعدة مراحل متتابعة، أولاً في مرحلة الطفولة نملك رفاهية كاملة للوقت وتغدو كل الأمور ميسرة لنا بشكل أكبر بما يتناسب مع مرحلتنا العمرية، إنها مرحلة الاحتضان الأسري والعائلي، حيث يكون الوقت مبذولاً من أجل العناية بك وبشؤونك. ثم تأتي مرحلة الصبا وهي مرحلة تتسم بكثرة الوقت ولكن مع تضييعه والإكثار من اللعب والمرح والميل إلى الاسترخاء. يتبع ذلك مرحلة المراهقة، ويحدث فيها اندفاع وجداني ويصطدم الإنسان بتغيرات جسدية ونفسية تؤثر عليه، ويظل الاندفاع والقوة التي أصبحت تملأ جسده تدفعه لاستهلاك الوقت في الدراسة واللعب والخروج، ويصبح الإنسان في أوج نشاطه، وابتداء من تلك المرحلة يشعر الإنسان بالوقت وتسارعه وبمدى الإنجاز الذي يمكن أن يحققه في حياته.

وعندما تبدأ مرحلة الشباب يصبح الوقت متاحًا للعمل، ويبدأ الوقت في الانسحاب التدريجي، بحيث يحتاج الشباب الطموح المملوء بالطاقة والحيوية لأن ينظم وقته، لكي يستطيع الإنجاز والتقدم أكثر وأكثر ليتمكن من إنجاز الأعمال واكتساب المهارات المهمة في تلك المرحلة، ولا شك أن التعامل في تلك المرحلة مهمة جدًا لأنه يمهد لما يأتي بعها، فالشباب يمتلك الوقت والطاقة اللازمة للعمل والإنتاج، ولكن إذا لم يُحسن استغلال تلك الرفاهية في الوقت، فسيأتي عليه وقت يصبح فيه أحوج ما يكون إلى دقيقة فلا يجدها.

وعند وصول الإنسان إلى مرحلة النضج والاكتمال، ألا وهي مرحلة الرجولة، وذلك بين 40 سنة إلى 50 سنة، يصبح الوقت مثل الكنز الثمين، حيث يغدو الإنسان في أكثر فترات حياته عملاً وتتضخم مسؤولياته بالأولاد وربما الأحفاد، ويكون قد ترقَّى في السلم العملي والوظيفي إلى أعلى المراتب، ولذا يصبح مطالبًا بجهد أكبر، وينظر إلى الوقت فلا يجده يتسع إلى كل ما يخططه له، وإلى ما يحتاج إلى إنجازه، ويضع نفسه في ورطة كبيرة إذا ظل ساكنًا لا يفعل شيئًا حيال الوقت الذي يتسرب من بين يديه.

وعندما تلوح في الأفق مرحلة الشيخوخة، ويكون الخروج إلى المعاش وشيكًا، يصاب الإنسان بأمرين معًا، ألا وهما: رفاهية الوقت المتاح له، وفقدان الطاقة والقدرة التي كان يجدها في نفسه في مرحلتي الشباب والرجولة، ولذا فإن تلك المرحلة تحتاج إلى تخطيط شامل لإعادة التوازن بين الوقت المتاح والأنشطة التي يمكن أن تستوعب قدرات المسن وجهده الذي لم يعد كما كان من قبل.

وعامةً ففي كل مراحل العمر، يبدأ الوقت في النفاد ويتسرب من بين أيدينا سريعًا إذا لم نحكم سيطرتنا عليه، وهناك أشخاص كثر لا يكادون يشعرون بالوقت على الإطلاق، بل يحيون حياة مغلقة وأشبه بدائرة، يؤدي عمله ثم ينام ثم يستيقظ ليعود إلى عمله، وهكذا في دائرة واحدة، ولذا يمكن القول إن الوقت سلعة غالية تنفد ولا يمكن استرجاعها بأي حال من الأحوال، وعلينا أن نغتنمها ولا نفوت ساعةً ولا دقيقة إلا ويكون لنا عمل نافع فيها.