رمضان بين الصبر والعبادة وإصلاح النفس

مناسبات 10 Ramadan 1442 AH محمود أبوقُورة
رمضان
Photo by Burak K from Pexels

شهر رمضان هو من أعظم الشهور وأكملها على الإطلاق، ففيه أُنزل القرآن، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر. السعيد فيه مَن حصَّل الأجر والثواب. والمحروم فيه مَن حرم نفسه ولم يتعرّض لرحمات الله تعالى. إن الحياة فرص وساعات. ورمضان يأتي على رأس تلكم الفرص، بل إنه الفرصة العظمى للبدء من جديد، وتنظيف النفس من أدرانها، وإصلاح النفس وتهذيبها.

يجد فيه الصائم حلاوةَ صيامه، ويجد القائم سعادةً في تعبه وسهره، ويجد المتصدق راحةً لا يكاد يشعر بها في أي وقت مضى. لأنه يُدخل السرور على الغير، فيكون من نصيبه أن يشعر بتلك السعادة داخله أضعافًا مضاعفةً. وفي هذا الشهر يتعلم الإنسان الصبر، ويجتهد في العبادة، ويحاول قدر الاستطاعة أن يُصلح نفسه ويهذبها.

رمضان شهر الصبر

من أفضل الخُلق التي يزرعها شهر رمضان في النفوس، خُلق الصبر، فالصائم يصبر على الجوع والعطش، ويصبر على ما أحله الله له لساعات طويلة. مما يجعل الإنسان أقوى من ذي قبل. فقد صام عن الحلال فكيف به عن المحرمات. وهذا الصبر يكسب المسلم القدرة على العمل والإنتاج ومواجهة المصاعب دون خوف أو استكانة.

يتعود المسلم على الصبر ومقاومة شهواته واحتياجاته طاعةً لله تعالى في شهر رمضان، ليكون ذلك دافعًا له بعد انقضاء الشهر الكريم. فإذا دفعته نفسه إلى شيء من الذنوب والمعاصي، تذكّر صيامه وقيامه وطاعاته في شهر رمضان وامتناعه عن الذنوب. مما يزجره عن القيام بالأمر. وهكذا يولد الصبر طاقة إيمانية تسير مع العبد مدة من الزمن، لتساعده على تخطي المصاعب التي تواجهه في الحياة.

شهر العبادة

تتجدد الطاعة وتزداد في شهر رمضان، فهو موسم مهم من مواسم الطاعات، وإذا كان المسلم يتصبّر فيه عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن هذا الصبر يكون دافعًا لتأدية العبادات والإكثار منها. ومن أفضل العبادات في هذا الشهر: قراءة القرآن الكريم، والمحافظة على الصلوات، وقيام الليل، وصلاة التراويح، والذكر والاستغفار… وغيرها من سُبل الخير.

ويحظى شهر رمضان دون غيره بتنوع العبادات وكثرتها، وخاصة الأمور الخاصة بالإطعام والصدقة وإصلاح ذات البين وصلة الأرحام. إنه فرصة عظيمة للطاعة وكسب الأجر الوفير، فإذا حرص المسلم عليها واغتنم أوقات رمضان، فاز وحصَّل ما لم يُحصله في غيره من شهور العام. أما إذا تكاسل وكان رمضان مثل غيره من الشهور، فقد خاب وخسر.

شهر إصلاح النفس وتهذيبها

يعطينا شهر رمضان بجانب الصبر والعبادة، فرصة كبيرة من أجل إصلاح النفس وتهذيبها. فبعد أن تكون نفوسنا قد تشبّعت بالذنوب والمعاصي طوال العام، لدرجة أن كثيرًا منا قد أَلِف الذنب واعتاد عليه، ولم يعد يشعر بإثمه وفحشه داخل نفسه. نجد أمامنا فرصةً ذهبية للعودة والتوبة والأوبة إلى الله تعالى، فإذا أحسنّا استغلال الشهر الكريم وأخلصنا النية، غفر الله لنا برحمته الواسعة ما تقدم من الذنوب.

وبذلك نكون قد تخصلنا من ذنوب كثيرة عالقة ولا نكاد نتذكرها. إن رمضان يمنح كل واحد منا فرصة من أجل إصلاح ذاته وتهذيبها إلى الأفضل. فيمكن للمدخنين مثلاً أن يمتنعوا عن شرب الدخان بسهولة إن أرادوا ذلك، فهم ينقطعون عنه لمدة خمس عشرة ساعة تقريبًا. ويمكن لأصحاب الذنوب أن يُعوِّدوا النفس على حب الطاعة والاستدامة عليها، فرمضان يمنحهم تلك الآلية بكل سهولة وبساطة. وذلك حين يصومون ويمتنعون عن ذنوبهم خلال أيام الشهر الفضيل، وهذا يعني أن بإمكانهم الامتناع النهائي عنها إذا كان لديهم عزيمة وإصرار.

إن شهر رمضان يجمع بين الصبر والطاعة والعبادة وبين إصلاح النفس وتهذيبها، ليمنحنا فرصة ثانية من أجل العودة إلى الله تعالى، ويكسبنا من الصفات ما نستطيع من خلالها التقدم نحو الأفضل على الدوام.

 

الكاتب/ محمود حنفي أبو قُورة

باحث أكاديمي