رمضان شهر الانتصار على النفس

مناسبات 18 Ramadan 1442 AH عبد الله توبة
شهر الانتصار على النفس
© Tolgaildun | Dreamstime

لا شك أن شهر رمضان فرصة عظيمة للتغيير من خلال التغلب على العادات السيئة والالتزام بالأخلاق الفاضلة. ولذلك فإن الغاية التي ذكرها الله تعالى من الصيام من أعظم الغايات الكفيلة بأن يبذل الإنسان الغالي والنفيس من أجل تحقيقها. وهي التقوى كما قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة: 183).

ولهذا فإن رمضان من الفرص العظيمة للمسلم حيث يمكنه من خلالها مجاهدة نفسه أو ما يمكن أن يطلق عليه الانتصار على النفس. وفي هذا المقال سنتعرف عن قرب على الخطوات التي يمكن للمسلم القيام بها من أجل الانتصار على النفس.

من المعلوم أن النفس البشرية أنواع منها النفس الأمارة بالسوء التي تزين لصاحبها الذنوب والمعاصي. كما قال تعالى:

{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي  إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي  إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (سورة يوسف:53).

والآية الكريمة تؤكد أن النفس أمارة بالسوء أي تأمر صاحبها بالوقوع في الذنوب والمعاصي. ولذلك فإنها تحتاج إلى مجاهدة من أجل كبح جماحها والتمكن من التغلب على نزواتها.

شهر الانتصار على النفس

يأتي شهر رمضان كل عام ليطهر الإنسان وينظفه من الشوائب التي ربما تكون قد علقت به سائر العام. ولذلك فهو شهر التربية والتهذيب وهو شهر الانتصار على النفس. وأبرز ما يجسد هذه الحقيقة أن الأصل في الصوم أن يهذب طباع الإنسان ويجعله متحليًا بالصبر على الأذى والابتعاد عن رد الإساءة .

ويؤكد ذلك ما روي أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي – صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال”: قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ” (أخرجه البخاري).

وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث فيما يرويه عن رب العزة عز وجل أن الأصل في الصائم. أن يضبط نفسه وسلوكه وأن يمنع نفسه عن التمادي في رد الإهانة أو سب الآخرين وهذه درجة عظيمة من درجة الانتصار على النفس.

صيام ابتغاء مرضات الله

إن الصائم يصوم ساعات طوال، وهو في الحقيقة يصوم عما أحله الله تعالى فالطعام والشراب والجماع من الأمور التي أباحها الله تعالى. لكنها تصبح محرمة على الصائم أثناء صيامه. وهذا يلفت نظر الصائم إلى أمر في غاية الأهمية وهو أنه يجدر به أن يبتعد عن كل ما من شأنه أن يوقعه في المحظور أو أن يتسبب له في إفساد صومه. ولذلك فإن الصائم يمتنع عن الحلال ابتغاء مرضات الله تعالى. فلا يليق له بعد ذلك أن يقع في الحرام أثناء صيامه. فالغيبية والنميمة وإطلاق اللسان والاعتداء على الآخرين. وغير ذلك من الأخلاق السيئة لا تتفق مع توجيهات الإسلام بحال من الأحوال.

ويمكن القول إن رمضان مدرسة تربوية إيمانية. يدخل المؤمنون فيها ليهذبوا طباعهم ويربوا أنفسهم على وفق مراد الله تعالى. فإذا ما انتهى الشهر خرج الصائمون منه بقلوب غير التي دخلوا بها إلى الشهر. ذلك أنهم قد شهدوا الصيام الذي يهذب الطباع وقرأوا القرآن الذي يهذب الأخلاق. وذكروا الله تعالى واستجابوا لأمره بالصيام وشعروا بالفقراء والمساكين والجوعى. وكل هذه المعاني الإيمانية سبب رئيس لقولنا إن رمضان شهر الانتصار على النفس وتهذيبها.

 

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية والتاريخية