زرقاء اليمامة: قوة البصر أم البصيرة

تاريخ محمود أبوقورة
زرقاء اليمامة

زرقاء اليمامة إحدى الشخصيات التي يُضرب بها المثل في حدة بصرها وذكائها. وقد شغلت الناس قديمًا وحديثًا، فهي امرأة لم يصدقها قومها فهلكوا، ولو أنهم أخذوا حذرهم واستمعوا لنصحها لردوا الغزاة عن أرضهم. إنها زرقاء اليمامة التي كانت تُبصر الشعرة البيضاء في اللبن. وترى الراكب وهو على مسافة ثلاثة أيام فتخبر قومها به. وهي امرأة نجدية من جديس باليمامة، وسميت بالزرقاء نظرًا لوجود زُرقة في عينيها.

عاشت في منطقة اسمها جَوّ، وقيل إن اليمامة هو اسمها، وقد سميت منطقها باليمامة بعد ذلك نسبةً إليها. وقيل إن سبب حدّة بصرها راجع إلى أنها كانت تدق حجرًا اسمه (الأثمد) وتكتحل منه. وقد ضُرب بها المثل فقيل: “أبصر من زرقاء”، وقال عنها المتنبي: ” وأَبصر من زرقاء جو، لأنني … إذا نظرت عيناي ساواهما علمي”.

قصة زرقاء اليمامة ومأساتها

يقول الرواة إن قصة زرقاء اليمامة حدثت في العصر الجاهلي، وحددوا زمن وقوعها على وجه التحديد في القرن العاشر قبل الهجرة. وقال بعض المستشرقين إنها حدثت في نحو عام 250 قبل الميلاد. ورجّح البعض أنها حدثت بعد ذلك. وهذا يعني أنه لم يرد عنها خبر مؤكد في الأخبار والآثار. أما موقعها فتم تحديده بدقة في مدينة “جوّ”، وكانت وقتها إحدى واحات الجزيرة العربية التي تنبض بالحياة، وموقعها الآن بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية.

كانت اليمامة معروفة بحدة بصرها منذ الصغر، فكانت تُحذّر قومها قبل أن يُقدم عليهم ضيف أو زائر قبل وصوله بثلاثة أيام. وكانت تلك الملكة التي أودت بها في نهاية الأمر بعد الصراع القبلي الدامي والذي انتهى باحتلال “جوّ” من قِبل الملك حسان بن تبع. والذي فقأ عيني اليمامة وقتلها بعد ذلك.

قصة زرقاء اليمامة

سَكن مدينة “جوّ” قبلتان هما “طَسْم” و”جَديس”، وكانت الحياة تسير بشكل طبيعي حتى قام على حكم المنطقة رجل يُسمى “عمليق” وهو من قبيلة “طسم” وأطلق على نفسه ملك “طسم”، وأخذ يمارس سلطة الحكم من خلال قوة عصبته وجنوده. غير أن عمليق بدأ الحكم بطريقة جنونية. حيث أصر على إذلال قبيلة “جديس” والتي تنتمي إليها زرقاء اليمامة. ولذا فقد نشأت عداوة بين القبيلتين، وأخذت رحى الحرب تظهر بينهما من حين لآخر.

وزاد الأمر سواءً أن عمليق اتخذ قرارًا ظالما يقضي بألا تُزف امرأة من جديس إلى زوجها إلا بعد أن تدخل عليه أولاً، فيأتيها قبل أن يمسها زوجها. ثم يرسلها إلى زوجها بعد ذلك. ومن سواء الأمر وفُحشه أن جديس كانت تمتنع عن الزواج بسبب هذا الأمر. وظل الأمر هكذا مدة من الزمن، فكلما عُقد زفاف أرسلوا العروس إلى عمليق مجبرين.

وبدأت الحرب تشتد رحاها بين جديس وطسم بسبب تصرفات عمليق، حتى كان ذلك اليوم التي دخلت عليه فيه عروس من جديس وتدعى “عفيرة بنت غفار”. فقد استنجدت بقومها ليخلصوها من الظلم الذي لحق بها. وقالت بعض أبيات الشعر في ذلك. وكان أخوها “الأسود بن غفار” سيدًا في قومه، فقام إلى عمليق وجمع قومه للثأر منه. وكانت لهم خطة ذكية للتخلص منه، فقد أعدوا طعامًا للملك وأتباعه، فلما جاءوا قتلوهم عن بكرة أبيهم. وانتقلوا إلى مجمل الأتباع، فلم ينج منه إلا رجل يدعى “رباح”.

خرج “رباح” إلى “حسان بن تبع” في نجران، فاستنجد به. فخرج حسان من حِمْير على رأس جيش كبير. ولكنّ رباح تذكّر أن له أختًا متزوجة من رجل من جديس ويقال لها اليمامة، وهي ستعرف موعد وصولهم قبل أن يصلوا، لأنها ترى الراكب على بعد ثلاثة أيام.

ولذا احتاط حسان وجعل كل جندي يحمل فرعًا من الشجر، وجعل السير ليلاً، وفي الصباح الباكر، ورغم أن زرقاء اليمامة رأت أنهم جنود. لكنها عندما حذرت قومها استهزأوا بها، وقالوا لها: وهل تسير الأشجار! ولم يستفيقوا إلا وجنود حسان يحيطون بهم من كل صوب، فوقعة الواقعة. وقبض حسان على اليمامة ففقأ عينيها، فرأى فيها عروقًا سوداء، فسألها عنها، فقالت له إنها كانت تكتحل بحجر الأثمُد. وفي نهاية المطاف قتل حسان اليمامة، والتي أصبحت مضربًا للمثل في حدة بصرها وبصيرتها معًا.

الكاتب: محمود حنفي أبوقُورة

باحث أكاديمي