ست الشام: زمرد خاتون

nick-karvounis-8WODX7nO2JE-unsplash
Nick Karvounis-Unsplash

سيدة عظيمة القدر والنسب، لها أفضال كثيرة، ويكاد لا يعرفها أحد، وإذا ذُكرت إنما تذكر بجانب أخيها أو أبيها فيُنسى فضلها، إنها السيدة زمرد خاتون بنت أيوب نجم الدين بن شاذي، أخت السلطان المعظم صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب، فاتح القدس ومؤسس الدولة الأيوبيّة في بلاد الشام ومصر. ولدت بدمشق ونشأت في كنف والدها نجم الدين أيوب، والذي كان من كبار رجالات السلطان نور الدين محمود بن زنكي، وكان عمها أسد الدين شيركوه من كبار قوّاده. وزمرد خاتون هو لقب لكل امرأة محترمة، وهذه الكلمة لا تزال متداولة عند العرب والأكراد المسلمين في العائلات العريقة في البلاد، وخاصة في العراق.

كان أبوها يلقب بالأفضل، نظرًا لفضله وقيامه بواجباته من صلاة وصيام وزكاة وكرم وجود نفس، مما أكسبها صفات حميدة في كنف والدها، ولم يكن أخوها صلاح الدين الأيوبي أقل شأنًا من أبيه في طاعته لربه وحمايته لدينه وسعيه في سبيل الله. قال عنها الإمام الذهبي: “خاتون أخت السلاطين لها برّ وصدقات وأموال وخدم، وكان لها من الملوك المحارم خمسة وثلاثون ملكًا“.

كانت تقطن في مقابل البيمارستان المستشفى النوري بدمشق، في بيت كبير جعلته مقصدًا وملاذًا للخائفينرجالاً ونساءًمن بطش الإفرنج، وكانت تقدم الصدقات لكل محتاج، وتغدق في عطائها عليهم. كانت سيدة الخواتين عاقلة، وكثيرة البر والإحسان والصدقات، وكل يد في الفضل وبذل المال والإنفاق ومساعدة الضعفاء، ويتم عمل الأشربة والأدوية والعقاقير في دارها بمبالغ كبيرة تخطت ألوف الدنانير. وقد تزوجت من محمد بن عمر بن لاجين، ويبدو أنه مات في فترة زواجها الأولى، ثم تزوجت من صاحب مدينة حمص وابن عمها محمد بن أسد الدين شيركوه بعد ذلك.

وكانت ست الشام جنديًا مجهولاً قام على إعمار المدارس، والاهتمام بالأدب والأدباء، كما بذلت جهودًا كبيرة لتحفيظ القرآن الكريم، وابتنت مدرستين كبيرتين، هما: المدرسة الشاميّة البرانية: أنشأتها سنة 582 هـ، وتُعرف بالمدرسة الحساميّة، نسبة إلى ابنها الأمير حسام الدين، وقد أوقفت عليها أوقافًا ضخمة من أموالها لتغطية نفقاتها ورعاية من بها. والمدرسة الشاميّة الجوانية: التي كانت في دارها، حيث ذكر لنا المؤرخ شهاب الدين النويري أن خاتون ست الشام عندما لحق بها المرض، جعلت دارها مدرسةً ووقفت عليه وقوفًا حتى أصبحت من أكبر المدارس وأعظمها وأكثرها فقهاء، من أمثال شيخ الشافعية ابن قاضي شهبة، وقاضي القضاة تقي الدين بن عجلون، وتقي الدين السبكي، وتاج الدين السبكي، وغيرهم.

وقد وضعت ست الشام شروطًا للوقف وجعلته فيه أن يكون المدرس في المدرسة والقيم عليها والمؤذن، وكل من يعملون فيها، من أهل الجود والخير ومن يشهد لهم بالنزاهة والكفاءة والصلاح والعفاف وسلامة الاعتقاد وأن يكونوا جميعًا من أهل السنة والجماعة غير مبتدعين ولا يوجد في دينهم شيء. ولقد ضربت بذلك المثل والقدوة الطيبة في آلية العمل الصالح ورسالته التي يجب أن تصل إلى مقصدها.

لقد قامت رحمها الله بدور بارز ومهم في فترة كان الإفرنج يضيقون على المسلمين سبل عيشهم، وكانت المعارك تأخذ الرجال وتخلف أسرهم وأبناءهم مشردين، فقامت برعايتهم وتعليمهم وبذل الخير لهم، ولم تدخر وسعًا حتى ماتت وترك الوقف مفتوحًا وقادرًا على العمل والعطاء، فضربت أروع الأمثلة في البذل والعطاء واستمرار المسؤولية حتى بعد الممات. وقد توفيت ست الشام في دمشق بدارها في سنة 616 هـ، وأقيمت لها جنازة مهيبة، تحدثت عنها الركبان، ويقال إن جنازتها كانت فريدة؛ إذ لم تشيع امرأة بمثل ما شيعت به خاتونست الشام رحمها الله تعالى وأجزل لها العطاء والثواب.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!