خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

هل سُحِر النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- حقًا؟

dreamstime_s_83441104
Illustration 83441104 © - Dreamstime.com

تثار التساؤلات حول مسألة سحر النبي أو بمعنى آخر تعرض النبي-صلى الله عليه وسلم للسحر- وهل تعد هذه الحادثة واقعة ثابتة أم أنها غير حقيقية، وما الآثار المترتبة عليها؟

في هذا المقال سنسلط الضوء على تلك الحادثة

من الثابت في كتب السنة أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قد سُحر على يد أحد اليهود، حيث روى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

“سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا، وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي؟ أَتَانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ؟ قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ. فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. فَقُلْتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فَقَالَ: لا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ, وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا , ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ” (رواه البخاري ومسلم وغيرهما).

والحديث السابق يدل دلالة قاطعة على أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قد سُحر حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، ومن ذلك أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهم.

وقد طعن البعض في هذا الحديث بدعوى أن به انتقاصًا لمقام النبوة، وزعموا أنه يناقض القرآن حيث يقول تعالى:

{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا} (الإسراء:47)

هل سحر النبي صلى الله عليه وسلم؟

وللرد على هذه الشبهة نقول إن السحر الذي تعرض له النبي-صلى الله عليه وسلم- كان سحر تخييل فقط، وهو نوع من أنواع المرض، بدليل أن النبي كان يخيل إليه فعل الشيء ولم يكن قد فعله، وربما يحصل ذلك للإنسان في النوم، لكن التخييل كان يحدث للنبي حال اليقظة، والسحر الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم كان متسلطًا على جسده وظواهر جوارحه، ولم يكن متسلطًا على قلبه ومعتقده والوحي الذي أوحاه الله إليه.

إن استدلال الذين نفوا تعرض النبي للسحر بالقرآن يبطل مذهبهم ذلك أن القرآن الكريم قد أثبت أن موسى -عليه السلام- قد تعرض لهذا النوع من سحر التخييل قال تعالى:

{قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ قَالَ بَلْ أَلْقُوا  فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ  فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} (طه:65-67).

ويلاحظ التطابق بين نص القرآن ونص الحديث في حدوث التخييل، فموسى عليه السلام- كان يخيل إليه أن الحبال والعصي تمشي وتتحرك، وهي لم تكن كذلك، والنبي-صلى الله عليه وسلم- كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، وكما لم يؤثر التخييل على موسى -عليه السلام- فيما يتعلق بإبلاغ رسالة الله تعالى، فإن النبي-صلى الله عليه وسلم- لم يتأثر بهذا النوع من السحر التخييلي الذي يبقى أثره قاصرًا على هذا الجانب اليسير.

عصمة النبي صلى الله عليه وسلم

إن الله تعالى قد تكفل بعصمة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق بأمور الوحي والبلاغ فلا قدرة للسحر أو الشيطان على التسلط عليها، وغاية الأمر أن السحر الذي تعرض له نوع من الأمراض والأسقام وإصابته بالسحر كإصابته بالسم سواء بسواء، ومن الثابت أن إصابته بالسم لم تترك أثرًا على تبليغه رسالة الله تعالى، وكذلك مسألة أو خرافة سحر النبي لم تترك أثرًا على الوحي والبلاغ.

المراجع

  • زاد المعاد: ابن القيم.
  • فتح الباري: ابن حجر العسقلاني.