خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

سعيد بن المسيب يزوج ابنته من تلميذه الفقير

ID 154704162 © Rasoul Ali | Dreamstime.com

كان سعيد بن المسيب “15-93 هـ” رحمه الله من أهل العلم والفقه، وكانت له دروس يحضرها تلاميذه في المسجد النبوي، ومع ذلك فكان ينزل إلى السوق ليتاجر في الزيت ويكسب قوت يومه من عمل يده، وقد عرض عليه الخليفة أن يمنحه عطاءً من بيت المال يكفيه ويزيد، ولكنه كان يأبى دائمًا، وقد طُلب منه أن يبايع الخليفة وليد بن عبد الملك، فلم يفعل وظل على موقفه يقول: في الأمة من هو خير منه. ووصل زهده وعلمه وترفعه عن أهل السلطان إلى أن رفض تزويج ابنته من ولي العهد الخليفة الذي عرض مهرًا قدره ثلاثين ألف درهمًا، غير أن الدنيا لم تكن تغريه بشيء ولم يكن يهتز قلبه لتلك الأموال أو المناصب. وقد كان من كمال موقفه وعزمه أنه قام بتزوج ابنته إلى طالب علم فقير يحضر مجلسه، وكان لذلك الأمر قصة نرويها معًا في الأسطر التالية.

يحكي أبو وداعة تلميذ سعيد بن المسيب رحمه الله، قصة تزويجه من ابنة سعيد قائلاً: “كنت أجالس سعيد بن المسيب في مسجد المدينة، ففقدني أيامًا، ثم جئته فقال لي: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلتُ بها. “أي ماتت زوجه فعمل على تكفينها ودفنها واشتغل بالأمر عن الحضور إلى المسجد”. فقال: هلا أخبرتنا فشهدناها؟ فقال أبو وداعة: ثم أردت أن أقوم، فقال لي: هل أحدثتَ امرأة غيرها؟ “ويعني تزوجت”. فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني؟ وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة! فقال: إن أنا فعلت تفعل؟ قلت: نعم. فإذا به يحمد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويزوجني بنته على درهمين، أو قال: ثلاثة، وهي البنت التي أبى سعيد بن المسيب أن يزوجها لولي عهد الخلافة.

ويستكمل أبو وداعة القصة فيقول: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح. فصرت إلى منزلي، وجعلت أتفكر ممن آخذ وأستدين، وصليت المغرب وكنت صائمًا، فقدمت عشاي لأفطر، وكان خبزًا وزيتًا، وإذا بالباب يقرع، فقلت: من هذا؟ “ولم يكن أبو وداعة ينتظر أحدًا”. قال: سعيد! ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب، فإنه لم يُرَ منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته ومسجد رسول الله. فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له، أي خطر له شيء جعله يندم على تزويجي، فقلت: يا أبا محمد، هلا أرسلت إلى فأتيتك؟ قال سعيد: لا، أنت أحق أن تؤتى. قلت: فما تأمرني؟ قال: رأيتك رجلًا عزبًا قد تزوجتَ، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك “وكانت بنته قائمة خلفة وتقف في طوله”.

ثم دفعها في الباب، وردّ الباب، فسقطت الفتاة من الحياء. قال أبو ودَاعة: فاستوثقت من الباب “أي أحكم غلقه”، ثم صعدت السطح فناديت الجيران، فجاءوني، وقالوا: ما شأنك؟ فقلت: زوجني سعيد بن المسيب اليوم ابنته، وقد جاء بها على غفلةٍ، وها هي في الدار: فنزلوا إليها، وبلغ أمي الخبر فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام. فأقمت ثلاثًا، ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظهم لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق الزوج”.

وقد ظل أبو وداعة شهرًا على تلك الحال لا يأتي سعيدًا ولا يأتيه، ثم جاءه وهو في حلقته، فسلم عليه، فرد عليه السلام، ولم يكلمه حتى انفض المجلس، فلما لم يبق غيره، فقال: “ما حال ذلك الإنسان؟”، يعني ابنته، فقال له أبو وداعة: “هو على ما يحبُّ الصديق ويكره العدو”.

فأين نحن اليوم من تلك المواقف العظيمة التي تفضل العلم والأدب على المال، وتزوج البنت لإنسان أمين، وليس لتاجر كبير أو ثري يملك المال والقصور.

مراجع تم الاعتماد عليها:

 كتاب: “مع الرعيل الأول”، المطبعة السلفية، القاهرة، ط 10، سنة 1403 هـ.