خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

“سفري” زوجة المقريزي مثالٌ يحتذى

ID 178375939 © Henrimartin | Dreamstime.com

لم تكن حياة العلماء الاجتماعية بعيدة عن حياتهم العلمية، فلا شك أن للجانب الاجتماعي أثره الواضح على الناحية العلمية، وعادة ما تؤثر الزوجة في حياة الإنسان إيجابًا أو سلبًا، فإما أن تكون قوة دافعة للأمام ملهمة وذات أثر في النفس، وإما أن تكون من المعوقات. ونقف هنا أمام شخصية مهمة ومؤثرة وهي زوجة المؤرخ والمفكر الكبير تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي الشافعي، أحد أعلام التاريخ.

كان المقريزي من أحسن الناس أخلاقًا، كثير التواضع، يمتاز بهمة عالية ويقصد أعالي الأمور، محبًا للعلم وأهله، قال عنه ابن حجر العسقلاني: ” له النظم الفائق والنثر الرائق”. وهو كثير التأليف والإجادة، ولد المقريزي بعد سنة 760 هـ، يقول ابن حجر: “إن مولده كان في سنة 766 هـ، كما رآه بخط المقريزي نفسه”، وقد توفى بالقاهرة من عصر الخميس 16 رمضان من عام 845 هـ.

كانت للمقريزي زوجة تسمى سفري كانت مؤثرة في حياته أيما تأثير، قام بترجمتها بنفسه والثناء عليها تكريمًا لها، وكان يحمل دائمًا الوفاء والعرفان لها، فقد أسرته بحسن صنيعها وأخلاقها ورعايتها لأولاده، حتى ملكت عليه فؤاده وهي في سن صغيرة. وللزوجة تأثير كبير في حياة الإنسان، ولذا سننقل هنا ترجمة المقريزي لزوجته لنتعرف عليها عن قرب، حيث يقول:

“سفرى ابنة عمر بن عبد العزيز بن عبد الصمد، وُلِدَت بالقاهرة في صفر سنة سبعين وسبعمئة “770”، وعقدتُ نكاحها يوم الخميس خامس عَشْرِي شوال سنة اثنتين وثمانين وسبع مئة “782”، وبنيتُ عليها بعد ذلك، ووُلِدَ لي منها ابني أبو المحاسن محمد في يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وسبع مئة، ثم طلّقتها حادي عشر شهر رمضان من السنة المذكورة، فقدّر الله سبحانه مراجعتها والبناء عليها ثانيًا في ليلة الأربعاء ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وسبع مئة، فرأيتُ تلك الليلة كأن شخصًا على فراشي ينشدني:

أحسنُ ما كنّا تفرقنا … وخاننا الدهر وما خُنّا

فليت ذا الدهر لنا مرة … عاد لنا يوماً كما كُنّا

فانتبهتُ مذعورًا، وتخيّلت أنها لا تقيم عندي سوى عامين. ثم وُلِدَ لي منها ابني أبو هاشم علي في يوم الأحد رابع عشري ذي الحجّة سنة تسع وثمانين وسبع مئة “789”. فلمّا كانت في شهر ربيع الأول سنة تسعين وسبع مئة “790” مرِضَت، فبِتُّ مُنَكد الخاطر، فرأيتُ شخصًا ينشدني:

فالعين بعدهم كأن حداقها … سُملت بشوك فهي عور تدمع

فاستيقظتُ وقد غلب على ظني أنها تموت من مرضها، فكان كذلك، وماتت عشية الأربعاء من السنة المذكورة رحمها الله.

ثم يستكمل المقريزي كلامه متحدثًا عن كثرة استغفاره ودعائه لزوجه سفري، فيقول:

“واتُّفِقَ أني كنتُ أكثر الاستغفار لها بعد موتها، فأُريتُها في بعض الليالي وقد دَخَلت عليَّ بهيئتها التي كفنتها بها، فقلتُ لها – وقد تذكّرتُ أنها ميتة -: يا أم محمد، الذي أُرسِله إليكِ يصل؟ أعني استغفاري لها.

فقالت: نعم يا سيدي، في كل يوم تصل هديتك إليَّ. ثم بكت وقالت: قد علمت يا سيدي أني عاجزة عن مكافأتك، فقلتُ لها: لا عليكِ، عمّا قليل نلتقي.

وكانت غفر الله لها – مع صغر سنها – مِن خير نساء زمانها عِفّة وصيانة وديانة وثقة وأمانة ورزانة، ما عُوّضتُ بعدها مثلها.

أبــكي فــراقهــم عــيني فــأرَّقـــهــا … إن التــفــرّق للأحبــاب بــكّــــاء

ما زال يعدو عليهم صرف دهرهم … حتى تفانوا وصرف الدهر عدّاء

جمعنا الله بها في جنته، وعمّنا بعفوه ومغفرته”. (القصة منقولة من كتاب المقريزي: درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة)

وإن المتأمل في تلك القصة سيجد أن المقريزي حافظ على الوفاء لزوجه سفري حتى بعد موتها، وأنه حزن عليها العمر كله، وأنها كانت مثالاً يحتذي في الأخلاق وصيانة العهد والصبر والاحتمال والعفة، فقد أنجبت الطفل الأول وعمرها 16 سنة فقط، ثم أنجبت الثاني وعمرها 19 سنة، ثم ماتت وهي بنت العشرين، ومع ذلك فقد امتلكت قلب زوجها، وجعلته يحيا عمره كله يستغفر لها ويترحم عليها.