خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

سلامةُ الصدور، طريقٌ للسرور

ID 112834704 © Tapichar | Dreamstime.com

لا يوجد شيء من شيم الإنسان وصفاته أكثر نصاعة وإشراقًا من سلامة الصدر، فقد قال الله تعالى واصفًا أهل تلك النفوس وقت أن ذهب كل شيء في الحياة، ولم يعد للمرء من مال ولا بنين يعينونه كما كان حاله في الدنيا، لكنه وجد سرورًا لم يكن يحسبه يقع عليه يومًا: “يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون. إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم”. (سورة الشعراء: 88- 89)

إن القلب السليم من أبواب النجاة الكبيرة، وهو المعيار الذي يجعل الإنسان مسرورًا في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا لا يجد في نفسه حرجًا من أحد، لا غل لا أحقاد لا حسد، تكون النفس هادئة ومطمئنة، تعيش بالحب والخير والأمل. وفي الآخرة يجنيه الله مما يقع فيه غيره، فإذا جاء بقلب سليم موقن بالله ومؤمن به دون أن تشوبه شائبة من حسد أم بغضاء، فماذا ينتظر غير أن الله ينجيه بذلك من أهوال القيامة.

يروى أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قد عُذب وضرب ضربًا مبرحًا أيام خلافة المعتصم، حين كان في السجن بسبب مسألة خلق القرآن، وأنه لما خرج بعد مدة حين استطاع الانتصار في تلك المسألة، وقد عاد المعتصم إلى رشده وهداه الله إلى الحق، فإنه وجد أن لحمة قد التأمت بظهره وهي فاسدة من أثر التعذيب، فقام الأطباء بإخراجها، فلما وجد الألم يشتد عليه في أثناء ذلك من أثر المشرط، كان يدعو للمعتصم ويقول: اللهم اغفر للمعتصم. رغم أن المعتصم هو سبب تعذيبه، وأنه جزء من عذابه ذلك، غير أن صدره كان سليمًا لا يجمل الغل ولا الحقد، فما كان منه إلا الدعاء له.

وهناك أمور معينة على سلامة الصدر، منها:

أولاً: أن نحسن الظن بالآخرين، وألا نحمل كلماتهم ولا أفعالهم إلا على الخير والرشاد، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملًا”. وقريب من ذلك ما قاله الإمام الشافعي: “من أراد أن يقضي له الله بخير، فليحسن ظنه بالناس”.

ثانيًا: الدعاء وطلب العون من الله تعالى بأن يرزق عبده قلبًا سليمًا خاليًا من سوء الظن والإثم والغل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه دائمًا: “وأسألك قلبًا سليمًا”. ودل ذلك على أهمية القلب السليم في الجسد، وأنه طريق للسرور والمحبة في الدنيا والنجاة في الآخرة.

ثالثًا: يجب أن نلتمس الأعذار لغيرنا، وأن نتغاضى عن الهفوات والزلات وكل ما من شأنه أن يجعل القلب يمتلئ بالأحقاد قال أحد السلف: “التمس لأخيك المسلم سبعين عذرًا، فإن لم تجد فلعل له عذرًا لا تعلمه”. ويقول ابن سيرين أيضًا: “إذا بلغك عن أخيك شيءٌ فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه”. وذلك إنما يخلص النفس من شرورها وسوء ظنها بالناس، فمن ظن خيرًا وجد خيرًا، لذا خاطبنا القرآن بذلك لنتخلص من أدران أنفسنا: “رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ”. (سورة الحشر: 10)

رابعًا: وإذا تأملنا حال النبي صلى الله عليه وسلم وجدنا أنه في كل تعاملاته كان سليم الصدر، فلم ينتقم من أعدائه حينما ظفر بهم، ولا من الأسرى حينما وقعوا بين يديه، فكان صلى الله عليه وسلم سليم الصدر، وكان يقول دائمًا عن قومه وأشد الناس إيذاء له: ” اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”. ثم كان سيدنا يوسف مثالاً يحتذى في سلامة صدره، فقد فعل به إخوته ما فعلوه، ومع ذلك عفا عنهم، وقال لهم: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ”. (سورة يوسف: 92)

إن سلامة الصدور تعد بداية حقيقية للسرور في الدنيا والآخرة، لذا علينا أن نحرص على سلامة صدورنا، وأن نخلصها من الأحقاد والحسد والغل وسوء الظن، لنسلم ويسلم غيرنا.