خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

سن التقاعد.. اجعل منه بداية لحياة تتمناها!

sergey-shmidt-koy6FlCCy5s-unsplash
Sergey Shmidt-Unsplash

جعل الله حياة الإنسان منا مقسمة إلى مجموعة من المراحل، فمرحلة الضعف الأولي في بداية ولادته، ثم مرحلة القوة والعزم والعمل، ثم يعود ثانية إلى مرحلة ضعف ووهن، ولكنه هذه المرة ضعف مشبوب بصفاء العقل واكتمال الخبرة. وفي العمل يتم التركيز على عامل الشباب الذي ينهض بالعمل من خلال طاقته الكبيرة، وكذلك التركيز على الخبرة وحكمة الشيوخ، وفي فترة ما يتم وضع مرحلة ليتوقف فيها صاحب الخبرة عن تأدية العمل، وإحلال غيره أصغر سنًّا محله، وهو ما يعرف بسن التقاعد، وبذلك تتجدد دورة العمل باستمرار وتتماشى مع دورة الحياة، فلا يكلف الكبير بشيء لا يستطيع القيام به، ولا يصبح في الوقت ذاته عبئًا على أحد.

لكن هل يواجه الناس سن التقاعد بالتفاؤل؟ في الأغلب الأعم يكون الناس متحسرين وفاقدين للأمل، لأنهم يشعرون أنه تم وضعهم على الرف، وأن قيمتهم أصبحت معدومة في الحياة، وأنهم أصبحوا عالة على غيرهم وهم الذين اجتهدوا طوال سنوات مضت، وأكلوا من كسب أيديهم، إضافة إلى تراجع العائد المادي للشخص، وحرمانه من جزء كبير من دخله الثابت، ويضاف إلى ذلك كثرة الأمراض في تلك السن والمشاكل النفسية والإحساس بالوحدة في البيت.

ولكن هذا كله لا يعني أنه شعور جماعي يلمسه الجميع، لأن هناك أعدادًا أخرى من الناس يشعرون بالأمل، وتجدهم أكثر سعادة وتفاؤلاً مع بلوغ سن التقاعد، وذلك لأنهم تقبلوا الحقيقة بصدر رحب، وعلموا أن الإنسان لا يأخذ كل شيء على الدوام، والحياة مراحل ويجب معرفة أن دورة الحياة ستمر شئنا أم أبينا، لذا وجب تقبلها.

والسؤال المهم الآن: كيف نتفاءل رغم بلوغ سن التقاعد؟ يجب عليك أولاً أن تحدد وجهة قبل هذا السن بمدة كافية من خلال إعداد خطة استراتيجية لطبيعة عمل القادم، وماذا ستفعل، وما تقسمة يومك، وأين ستعيش، هل تظل كما أنت أم ترحل إلى وجهة أخرى، ما المناسب لك؟ هل تترك أولادك في المدينة وتذهب إلى القرية، أم أنه لا توجد أماكن أخرى، أم تعيش وسط أحفادك وتنعم معهم، أم ماذا تفعل بالتحديد؟ يجب أن تكون واضحًا مع نفسك لكي تستمر فيما أنت مقبول عليه.

اعلم أن الحياة لن تتوقف على أحد، وأن هناك آخرين غيرك أقل حالاً منك، ومع ذلك ينعمون بالسعادة، وتعامل مع الموقف بهدوء وسعة أفق، واعلم أن لك أدوار أخرى في الحياة لم تنته به، وأن الأمل والتفاؤل يمنحانك السعادة ويبعدان عنك الأمراض. وتدبر تلك القصة:

كان لي جاران يعيشان في عمارتنا التي نعيش بها، وهما يكادان يكونان متقاربين في السن، العم أحمد 57 عامًا كان يعمل محاسبًا، والعم سيد 55 عامًا ويعمل فني نجار في مؤسسة حكومية، بعد مرور السنوات خرجا بالتتابع إلى سن المعاش، الأول حمل الدنيا على رأسه ولم يطق صبرًا، نزل للعمل في بعض مكاتب المحاسبات فوجد أصحابها من الشباب، ووجد نفسه كبيرًا عنهم، ولذا لم يكن يتحمل شيء، وحالما يوجه صاحب العمل لشيء، يذهب غاضبًا ويترك العمل، وظل على ذلك الحال حتى توقف عن العمل تمامًا. واستقر في منزله حزينًا، لا يزوره أحد ولا شيء يأتيه سوى بعض الأقارب على مراحل متفرقة، ولم يكن يتقبل أن نزوره ونحن أبناء سكن واحد، حتى لا يشعر أن أحدًا منا يشفق عليه. أما الثاني العم سيد فقد بدأ مشروعًا وهو في سن التاسعة والخمسين، استأجر محلاً أسفل العمارة وأحضر فيه بعض الخشب وبدأ فور خروجه للتقاعد في العمل والإنجاز، وكان متفائلاً للغاية، وصديقًا للجميع، ومحبوبًا من الكل.

إن تلك القصة توضح لنا الفارق بين التخطيط السليم، وبين انعدام الرؤية، فسن التقاعد يحتاج إلى التفاؤل وإلى الاستراتيجية التي ستدير بها حياتك حينما تصبح متقاعدًا.