خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

سوء الظن وأضراره

© Leo Lintang | Dreamstime.com

يعد سوء الظن من أكثر الأمراض التي يعاني منها المجتمع الإسلامي وأشدها فتكًا وخطورة، فهم مرض استشرى بين الناس، وهو من أقوى الأسباب لتقطيع الصلات والروابط الأسرية والاجتماعية بين الناس، ويكون سوء الظن بتغليب الشر على الخير في قلب الإنسان على الآخرين مظنة منه في أنهم كذلك، والحقيقة أن تلك المظنة في أغلب الأحوال تكون غير حقيقية ومجافية للواقع.

ومن معاني سوء الظن عدم الثقة بالناس وافتراض أنهم يحملون الشر في داخلهم، ويكون سوء الظن من خلال امتلاء القلب بالظنون غير المحمود بما يعمل على ظهورها في جوارح الإنسان ولا يلبث أن يتفوه بها، ومن معانيه كذلك أن يتهم الإنسان الناس ويخونهم في غير محل التخوين أو التهمة.

ومن أكثر صور سوء الظن في زماننا إطلاق الخيال للعقل بالتفكير في كل شيء يراه أنه مظنة للشر، كأن يرى الإنسان امرأة تكلم رجلاً في الشارع، فيتوهم أن تلك المرأة أجنبية عن ذلك الرجل، وأنها تقع معه في الفحشاء، ومن ثم يبني تصوراته عنهما على هذا الأساس، وهذا غير صحيح بالمرة، فربما كانت المرأة قريبة له مثل أخته أو عمته أو خالته أو زوجته، وهكذا يبنى الظن من خلال الخيال المريض وينتشر في المجتمعات انتشار النار في الهشيم.

وقد حثنا الله تعالى في كتابه الكريم بأن نحسن الظن بالناس وبالله تعالى وألا نطلق الخيال فيه لأنه آثم عظيم، يقول تعالى: “وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا” (سورة الفتح: 6). وقد نهانا النبي الكريم عن ذلك الفعل الشنيع فقال: “ إيَّاكم والظَّن، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا” (رواه البخاري: 6064). وقد دل ذلك على حرمة الظن وإطلاق العنان فيه، لأن الحديث المبني عليه هو من أكثر الأحاديث كذبًا.

وينقسم سوء الظن إلى أمرين، أولاً سوء الظن بالله تعالى، ويكون ذلك بأن يظن الإنسان في الله تعالى مظنة معينة، كأن يظن به سبحانه أنه لن يغفر ذنبه، وأن ذنوبه ستدخله النار، فيبتأس ويقنط ويبدأ في ظنونه ولا ينتهي عند حد معين، بل طوال الوقت تلح عليه الظنون، وحاشا لله تعالى أن يكون كذلك. والثاني: سوء الظن بالناس أو المسلمين، وهو من كبائر الذنوب، ويكون بأن يطلق الإنسان العنان لخياله في الظن بالناس واعتبارهم أشرارًا يحملون صفات سيئة، وكل ذلك دون أن يلمس من عملهم ما يدل على ذلك.

ومن أضرار سوء الظن أنه أحد المهلكات للأعمال، فهو باب من أبواب الضلال والشرك والبدعة، لأن من خلاله يمكن أن يشك الإنسان بربه فيقع في الشرك. وهو سبب من أسباب غضب الله على العبد ولعنته إياه ووقوعه في عذابه، كما أن سوء الظن من أكثر الأمراض فتكًا بالأسرة والعلاقات الاجتماعية القويمة. وهو مدخل من مداخل الشيطان المهلكة للحسنات، وإحباط العمل وضياع الأجر، لأن الباطن قد امتلأ بالباطل والظنون.

ويتسبب سوء الظن في أغلب أمراض القلب المنتشرة وخبث الباطن، مثل الحقد والحسد، لأن سوء ظنه ما يلبث أن يخرج منه إلى الناس، فتراه يراقبهم ويتقصد إظهار عيوبهم، وفضح نقائصهم، ولا يكترث بأي شيء سوى أنه امتلأ قلبه بالخيالات المريضة فأخذ يبثها على أسماع الناس دون أن يكون لها سند من الحق أو الحقيقة. وهذا الإنسان يتسبب في ضياع أعماله الصالحات، فلا تبقى له حسنات، ولا نفع لعبادته ما دام يظن بالناس السوء.

وقد ورد عن ابن عباس أنه قال: “ إنَّ الله قد حَرّم على المؤمن من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن يظنَّ به ظنَّ السّوء“. ألا فلنصلح قلوبنا بالخير، ونستبدل بسوء الظن حسن الظن بالله والمسلمين.