خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

شاعر أهدر النبي دمه وأهداه بردته الشريفة بعد ذلك

Inside Pattern of Dome of Taj Mahal
ID 72757576 © Saiko3p | Dreamstime.com

تعج الحياة بمشاعر متفاوتة، هكذا حال الدنيا، فلا لا تبقي على حال، يوم سلامة وبعدها يأتي الخطر، ويوم تلفه الظنون وتعكره الأحقاد، ثم من بعده تأتي الأفراح وتعمر القلوب بالبهجة. هذا بالضبط ما حدث ما الشاعر المخضرم كعب بن زهير، فقد كان شاعرًا مشهورًا قبل الإسلام، ولما جاء الإسلام أخذ على عاتقه مهمة هجاء المسلمين، لكنه زاد في فحشه وهجائه فتعرض لأعراض المسلمات وشبب بهن، فأهدر النبي دمه.

أصبح كعب بن زهير طريد في البراري لأيام عديدة، وكلما أراد أن يختبئ عند أحد من أصدقائه تخلى عنه، فقد علم الجميع أن دمه أصبح حلالاً مباحًا، فمَن وجده في أي موضع من المسلمين قتله دون أن يبالي، ولذا أصبح كعب خائفًا طريدًا يبحث عن مأوى دون أن يجد، فخرج إلى الصحراء وظلت هناك عدة أيام، واجه خلالها كل أنواع المحن والعذابات، فلم يقدر على العودة لأهله، فقرر أن يكتب قصيدة مؤثرة ويقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب قصيدته الشهيرة:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول               متيمٌ إثرها لم يفد مكبولُ

وقال كل صديق كنت آمله                   لا ألهينك إني عنك مشغولُ

فقلت خلو سبيلي لا أبا لكم                   فكل ما قدر الرحمن مفعولُ

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته             يومًا على آلةٍ حدباء محمولُ

نبئت أن رسول الله أوعدني                 والعفو عند رسول الله مأمول

وهي قصيدة طويلة وبارعة الحسن، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ألقى عليه بردته الشريفة، فسميت قصيدة البردة، وظلت تلك البردة في أهله إلى أن اشتراها معاوية منهم، أو كما يقول الفاخوري حول البردة: “ما زالت البردة في أهله حتى اشتراها معاوية منهم، وتوارثها الخلفاء الأمويون فالعباسيون حتى آلت مع الخلافة إلى بني عثمان“. وقد دل ذلك على مكانة تلك القصيدة للدرجة التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم بردته عليه هدية منه. وقد ذكر الهاشمي أيضًا حول ما آلت إليه بردة النبي صلى الله عليه وسلم: ” بقيت في أهل بيته حتى باعوها لمعاوية بعشرين ألف درهم، ثم بيعت للمنصور العباسي بأربعين ألفًا“.

وهناك روايات شتى لتلك القصيدة، ولكن المغزى منها أن الشاعر قد تعرض لموقف مؤثر وهو إهدار دمه، ثم إذا به يكتب قصيدة جميلة فيحصل من خلالها على العفو، ويتلقى هداية أيضًا على إجادته، ثم بعد ذلك يشرح الله صدره فلا يغادر مجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو مسلم لله وحده، فيكون التفريج من الكرب بأكثر من عطاء في آن واحد: الأمان، الهديةالبردة، الإسلام، وهذا موقف مؤثر جعل كعب من بعدها من شعراء الرسول الذين يدافعون عنه.

كان كعب شاعر مخضرم كثير الإنتاج، يمتلك روحًا وثابة إلى الخير فيروى عنه أنه استطاع ببلاغته فداء النابغة الذبياني من الموت على يد النعمان بن المنذر، إذ قال النابغة بيتًا من الشعر، فلم يفهمه النعمان وقال له: هذا يحتمل المدح والهجاء، أمهلك ثلاثًا، فإما أن تأتي ببيت يشرحه فتأخذ مائة ناقة، وإما قطعت عنقك. فصعب الأمر على النابغة، فلما لقي كعب شرح له الأمر، فأهداه كعب بيتًا على ذات الوزن، فأخذه وعاد للنعمان، فحصل على المكافأة مائة ناقة، فلما وهبها النابغة لكعب لم يرض أن يأخذها منه. وقد دل ذلك على شهامة كعب وشجاعته حتى قبل الإسلام.

إن إهدار دم كعب لم يكن شرًا كله، فقد دخل الإسلام من خلاله، واستطاع أن يحصل على بردة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنه كتب قصيدة من أروع قصائده، إضافة إلى أنه خرج من المحنة أشد قوة وصلابة، وأصبح ينطبق عليه: شاعر أهدر النبي دمه ثم أهداه بردته الشريفة بعد ذلك.