خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

شدة حب الخليفة الهادي لزوجه غادرة

ID 35048374 © Alessandro De Leo | Dreamstime.com

كانت للخليفة العباسي موسى الهادي زوجة اسمها غادر، كان يحبها حبًا شديدًا، وقد هام بها أشد ما يكون الهيام، وقد وردت في ذلك الحب قصة طريفة ومؤثرة، نقف عليها معًا، لنتعرف إلى تفاصيلها. فقد رُوي أن الهادي قد ابتلي بذلك الحب وكان مغرمًا بجارية تسمى غادرًا، وكانت من أحسن النساء وجهًا وأطيبهم غناءً، اشتراها بعشرة آلاف دينار، فبينما هو سهران مع ندمائه إذ فكر ساعة وتغير لونه وقطع الحديث، فقيل له: ما بال أمير المؤمنين؟ قال: وقع في قلبي أني أموت وأن أخي هارون يتولى الخلافة ويتزوج غادرًا فامضوا وأتوني برأسه. ثم رجع عن ذلك وأمر بإحضاره، وحكى له ما خطر بباله فجعل هارون يترفق به، فقال له: لا أرضى حتى تحلف عليَّ بكل ما أحلفك به أني إذا مت لا تتزوج بها. فرضي بذلك منه.

ثم دخل إلى غادر وحلفها أيضًا على مثل ذلك، فلم يلبث بعد ذلك سوى شهر ومات ووصلت الخلافة إلى هارون الرشيد فطلب غادر لنفسه، فقالت: يا أمير المؤمنين كيف تصنع بالأيمان؟ فقال: قد كفرت عنك وعني. أي دفعت الفدية للنجاة من القسم. ثم تزوج بها ووقعت في قلبه موقعًا عظيمًا وافتتن به أعظم من أخيه الهادي حتى كانت تنام في حجره فلا يتحرك ولا ينقلب. فبينما هي نائمة في حجره في بعض الليالي، إذا بها انتبهت فزعة مرعوبة. فقال لها: ما بالك فديتك؟ قالت: رأيت أخاك الهادي الساعة في النوم فأنشدني هذه الأبيات:

أخلفت عهدي بعدما … جاوزت سكان المقابر

ونسيتني، وحنثت في … إيمانك الزور الفواجر

ونكحت غادرة أخي … صدق الذي سماك غادر

لا يهنك الإلف الجدي … د ولا تدر عنك الدوائر

ولحقتني قبل الصبا … ح وصرت حيث غدوت صائر

قالت: ثم ولى عني وكأن الأبيات مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة. فقال لها: هذه أحلام الشيطان. فقالت: كلا، والله يا أمير المؤمنين. ثم اضطربت بين يديه وماتت في تلك الساعة، ولا تسأل حال هارون الرشيد وما لقي بعدها من ألم وعذاب.

وقد عاش هارون الرشيد بعد ذلك الموقف أيامًا صعبة، بعد أن ماتت غادر بين يديه، متأثرة بما رأته في منامها، فقد كانت تود لو أنها بقيت لعهدها مع أخيه الهادي فلم تتزوج من بعد أحدًا، ولكن ماذا تفعل، وكما كان العُرف سائدًا في تلك الفترة أن الخليفة يرث الملك وكل ما تركه سلفه من مال ومتاع ونساء، فله الحق في التصرف في ذلك.

ولننظر هنا إلى هذا الموقف الصعب الذي تعرضت له غادر حينما وضعت في الاختبار الصعب، إما الوفاء بالعهد وعدم القبول بزواجها من الخليفة الجديد، وإما الزوج والدخول في عصمة رجل آخر فتضمن حظها من سطوة السلطان ومتع الحياة. ولقد تصرفت بما جرت به العادة وما يمكن لامرأة ضعيفة أن تقوم به من سيدها الجديد. ثم للنظر في شدة حب الهادي لتلك المرأة وافتتانه بها، لدرجة أن يجعل أخاه يقسم على ألا يقربها بعد موته أبدًا، ثم إنه أراد قتل أخيه لما شعر في داخله أنه ربما فعل ذلك في المستقبل، وإنه لم يرضَ منه إلا القسم وتقديم الأيمان المغلظة بالوفاء بالعهد، ثم دخل على جاريته غادر فجعلها تقسم على ذلك أيضًا، وكل ذلك يدل على خشيته من وقوع ذلك، وأنه كان يعلم أن تلك المرأة بجمالها وما تملكها من حُسن وبهاء، ستلفت نظر أخيه وتجعله يتزوجها.

نستفيد من تلك القصة أن الوفاء بالعهد أمر مهم للغاية، وأن الغدر له عاقبة سيئة، أقلها وخز الضمير، وأن الحب الزائد عن الحد قد يودي بصاحبه إلى الهلاك، إذا لم يكن موجهًا بشكل صحيح.