خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

شروق سعيد تكتب: أن تكوني امرأة!

dreamstime_s_81571021

لطالما شغلتْنِي إجابةُ هذا السّؤال، وربّما شغلت الكثير من الفتيات مثلي: “ماذا يعني أن تكوني امرأة؟” ذهبتُ ألتمس إجابة تساؤلي في أحوالِ النّساء، وفي كلَّ صدفةٍ جمعتني بحواء أو سمحت لي بتتبُّع مواقفها والقراءة في سيرتها، ولاشكّ أنّك قابلت بعض هذه المواقف، لكن هل سبحتَ في معانيها الدافئة والعميقة إلى حدّ الجمال؟!

أولُ موقِفٍ وضعتْني فيه الذّاكرةُ في رحلتنا القصيرة، يعودُ إلى دكتورة في إحدى المحاضرات، قبل البدء وبعد الانتهاء من الشرح، لفتَ انتباهي مُحادثتُها والدتَها عبر الهاتف؛ في الأولى تطمئنّ على أحوالها وأحوال صغيرها الجالس معها، والثانية تبشرها بقُرب قدومها لهما حتى أنّي أحسستُ أنهما سيلتقيان بعد غربة دامت سنتين وليست مجرد ساعتين!

حواء الصّغيرة الجالسة بجوار أبيها في السيارة، مُمسكة بيدها منديلًا أخذت تمسح بيه العرق المتصبب من جبينه من شدة الحّر، يا لجمال المشهد ولَطافة الشعور، يا تُرى كيف يكون شعور الأب نفسه؟!

وتلك الصغيرة الأخرى، رأيتها من نافذة السّيارة في طريق عودتي إلى البيت بعد يوم شاق، ابتسمتْ ابتسامةً ساحرة ولوّحت لي بيديها في خفة وجمال إنساني تعب اليوم وأجبرني على الابتسام! ولوهلةٍ، يهتزّ القلبُ طربًا.

وهذه الأمُّ العظيمة، تعود من عملها مُرهَقةً ثم لا يُثنيها ذلك عن الوقوف في المطبخ: تطهو الطعام بكل حبّ، وتجمع الأبناء على سفرة واحدة، لتتأكّد بنفسها من أنّ كلًّا منهم قد أخذ حصّته الكافية من الطّعام.

السّيدة خديجة -رضي الله عنها- زوج رسول الله ﷺ، الطّاهرة، أم المؤمنين: آوى إليها رسول الله فكانت له السند، وخير سندٍ، فقال عنها ﷺ: “قد آمَنَتْ بي إذ كفَرَ بي الناسُ، وصدَّقَتْني إذ كذَّبَني الناسُ، وواسَتْني بمالِها إذ حرَمَني الناس”.

أن تكوني امرأة يعني أن تكوني المسكن والسكينة؛ دارٌ تأوي ساكنيها وتحنو عليهم من قسوة الخارج وظلمته، ذراعان مفتوحان -دائما- لمَن أراد أن يرْتمي بينهما؛ تأويانه في ضمة تنسيه ما كان كأن لم يكن!

أن تكوني امرأة يعني أن تكوني أمّا بالفطرة “وإن لم تنجبي حتى”؛ هي عاطفة وُزّعتْ على جنس حواء: كبيرات كُنّ أو صغيرات؛ حيث إنك تجد الفتاة على صغر سنها ماسكة دميتها بين أحضانها، تلعب معها وتحنو عليها كحنو الأم على صغيرها، تتحدث معها كأنها حقيقية وتطلب منها أن تدعوها: “ماما”.

أن تكوني امرأة يعني أن تعْلَمي يقينًا أن الضّعف فيك هو أبلغ معاني القوة؛ قوة أُسّس بنيانها على ذكاء عاطفي لا يُضاهى، إن أُحسن استخدامه في موضعه ستكون له الغلبةُ بلا شك.

أن تكوني امرأةً يعني أنك مجبولةٌ على حب الزينة والوقوف أمام المرآة بالساعات وشراء أجمل الثياب وأبهاها، لكنك تضبطين لباسك بضابط شرعي وتخفين زينتك أمام من لا يحلّ له رؤيتها. تقفين أمام المرأة وتضعين حجابك على رأسك قبل الخروج، تنظرين لنفسك وتقولين: “والله ما فعلتها إلا طاعة لله وتمسكا بحبله المتين”.

أن تكوني امرأة لا يحطُّ ذلك من قدرك شيئًا بل -بلا شكٍ لكل من عَقِل- يرفعه حتى وإن قررت أن تكوني امرأة، فقط امرأة بدون سابق ألقاب أو رتب توضع أمام اسمك، أجبرك العالم “المنجرف نحو تيار الرأسمالية” على اللهاث نحوها وتصديق أنك لا شيء بدونها حتى تغفلي عن حقيقة كونك امرأة وما وراء ذلك من معانٍ.

أنت الأم، الأخت، الزوجة، الرفيقة، المُترفقة، السكن، المسكن، السكينة، الحضن، الجمال الذي يسّر، والعاطفة التي لا تنضب، والمواساة الحاضرة دوما في صورة ملاك حسن بذراعين مفتوحين ملأ الكون، توازن الحياة، وطوق النجاة، الوطن الحقّ هو حيث تكونين؛ فكوني وطنا جميلا، لا يخذل ولا يتخلّى.

الآن، هل عرفتِ ماذا يعني أن تكوني “امرأة”؟!

 

بقلم: شروق سعيد

مدونة، وطالبة جامعية