شعر المنفى: سماته الفنية ومراحل تطوره

فن 9 Ramadan 1442 AH أحمد جمال
شعر المنفى
Photo by Victoriano Izquierdo on Unsplash

يمكن القول أن شعر المنفى أو نفي الشعر هو  أبرز ما يميز العصر الحديث. ذلك أن عددًا كبيرًا منهم قد نُفي خارج وطنه وأُبعد قسرًا لكتم صوته وإخماد جذوة شعره. فابتداءً من نفي أمير الشعراء أحمد شوقي إلى إسبانيا. وما أعقبه من حالات النفي الإجباري أو الاختياري التي حصدت مزيدًا من الأصوات الأصيلة.

نذكر منها على سبيل التمثيل: إيليا أبو ماضي، وجبران خليل جبران، وشفيق معلوف، وأحمد مطر، وأغلب شعراء العراق المعاصرين. والقائمة هنا تطول، ولكن ما يجمع بينهم جميعًا أنهم خرجوا مجبرين أو مختارين إلى منافيهم بحثًا عن فرصة للحياة ولقول الشعر بعيدًا عن حالات الملاحقة أو التربُّص التي تحيط بهم داخل أوطانهم. الأمر الذي انعكس على أشعارهم، وعلى صوتهم الشعري الذي أصبح مميزًا ومبدعًا أكثر من أصوات أخرى متاخمة له.

تعريف شعر المنفى

مكان النفيّ هو البقعة التي يذهب إليها الإنسان بعد الإجبار على ترك وطنه، ويظل المرء فيه فترة قد تطول أو تقصر. وقد يستمر فيه إلى نهاية عمره. وقد يُترك للإنسان فرصة اختيار مكان منفاه، وهذا ما يسمى بالمنفى الاختياري.

ويمكن تعريف شعر المنفى بأنه: ذلك الشعر الذي قيل تحت وطأة ظروف قهرية، أو ما قاله الشاعر وهو مُبعد عن وطنه، ولذا فإنه شعر تم إنتاجه بعيدًا عن تربته الوطنية. ولذا فإنه يتميز بظواهر خاصة، وأخيلة فريدة، وصور مبتكرة، اتخذها الشاعر من وضعيته الجديدة. ونجد الشاعر في منفاه شديد الحنين إلى وطنه يناجيه ويصف كل بقعة فيه وكأنها جنة الله على أرضه.

يحنّ إلى الذكريات أو المنزل والعائلة، وإلى الأماكن التي عاش فيها، ويستحضر صورة الغربة في مخيلته باستمرار ويصف مشاعره بشيء من الحسرة والحزن والإحساس المرير بالتمزق والخوف من المستقبل.

السمات الفنية لشعر المنفى

يحفل شعر المنفى بمجموعة من الخصائص التي تميزه دون سواه من أشعار، ويأتي على رأسها ما يلي:

أولاً: الحنين إلى الماضي: ويكون هذا من خلال بث اللواعج والذكريات والتحسر على أيامه الأولى في وطنه. وأنه في مكانه الجديد لا يجد راحةً إلا بالقدر الذي يتذكر فيه أهله وأماكن حياته الأولى ومنبع ذكرياته. ولذا نجد أشعار المنفى مليئة بالذكريات والأمنيات، ذكريات الماضي وتمني العودة إلى أرض الوطن.

ثانيًا: بث الحزن والشكوى والخوف من المستقبل: إذ نجد شعر المنفى مليئًا بمشاعر الحزن والشكوى نتيجة الوضعية التي عايشوها في أوطانهم. وكذلك الوضع الجديد الذب فُرض عليهم أن يوجدوا فيه. كما نشعر أن لدى شعراء المنفى حالة من التوجس والقلق والخوف من المستقبل، وكأن طامة ستقع عليهم فتهلكهم، وهذا الشعور ليس جماعيًّا لأنه يختلف من شاعر إلى آخر.

ثالثًا: التركيز على الأحداث الواقعية: نتيجة سيل الذكريات التي تجتاح أشعارهم، فإننا نلمس في شعر المنفى التركيز على بعض الأحداث التي وقعت معهم في السابق. فهم يربطون قصائدهم ببعض الأحداث أو القصص الواقعية من حياتهم. حيث يتذكرون تفاصيلها ويستخلصون منها الحكمة التي تعينهم على قابل الأيام. كما يركز شعراء المنفى على استخدام الألفاظ ذات الدلالات الواضحة، ويذكرون الأماكن بمسمياتها الحقيقية، ويصفون الأشياء طبقًا لحالتها وواقعها الحالي.

التركيز على الإشارات والرموز: لكي يبتعدوا عن المباشرة والخطابية في أشعارهم فإنهم لجأوا إلى الصيغ الرمزية والإشارات. والتي تدل على المغزى المراد. فمثلاً يذكرون شجرة الزيتون تعبيرًا عن الوطن، ويذكرون الشمس تعبيرًا عن الدفء الذي كانوا يجدونه بين أهلهم… وغير ذلك من إشارات.

الاهتمام بالإيقاعات الشعرية المؤثرة: بحيث يستخدم شعراء المنفى ألفاظًا معبرة ومتوافقة مع النواحي الإيقاعية. مما يجعل أشعارهم قريبة من نفوس القراء. كما أن البناء الموسيقى لديهم قد نال قدرًا كبيرًا من العناية، بحيث غدت أشعارهم رنانة ولها طابعها الخاص بها والذي يميزها عما سواها من قصيد.

 

الكاتب: محمود حنفي أبوقُورة

باحث أكاديمي