خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

شعر ما قبل الإسلام ومكانته في الأدب العربي

ID 152727146 © Mrehssani | Dreamstime.com

يعد الشعر الجاهلي من أفضل الموارد الأدبية في تراثنا القديم، نظرًا لأصالته وحُسن لغته ولانسجامه مع البيئة العربية التي كانت تعتمد على الرعي والتنقل من مكان لآخر، مما كان يشكل جوًا مناسبًا لتناقل الشعر، وخاصة من خلال الحادي الذي يؤلف قطعًا شعرية أو يحفظها عن غيره، فيرددها في أثناء سيره فيسلي القافلة ويبعث بجو من الراحة والمتعة. وكانت القبائل في الجاهلية تستخدم الشعر بوصفه أداة إعلامية معبرة عن ما يجيش في صدوره، ومن خلال الشعر يمكن قص السير والملاحم والبطولات، وكذلك تخليد الذكريات والأيام، لذا كانت القبيلة تقيم الولائم وتبارك لبعضها إذا خرج فيهم شاعر يحدث باسمهم.

يسمى الشعر الجاهلي وينسب إلى الفترة التي انتشر فيها، وهي العصر الجاهلي، وهو العصر السابق على الإسلام، وجاءت تسمية العصر الجاهلي في بداية فترة صدر الإسلام، ولذا سُمي الشعر فيها جاهليًا، وهذا الشعر هو كلام موزون مقفى صاغه الشعراء من مخيلاتهم تعبيرًا عنما يجيش في نفوسهم، بهدف التغني بالأمجاد والتمجيد لما يعبدونه، وللتفاخر والبطولة وتجسيد الأحداث السياسية والصراعات، وكانوا يخصون أشاعرهم بتمجيد بعض الصفات الحميدة مثل: المروءة، والبذل والتضحية، والشهامة، والكرم، والفروسية.

وكان هناك تسابق بين الشعراء في الجاهلية على قول الشعر، لذا أقاموا المسابقات الشعرية، وتبارز الشعراء من كل حدب وصوب، وكانت المسابقات من خلال التبارز الشعري، بأن يقول شاعر بيتًا ثم يرد عليه شعر آخر ببيت آخر، وذلك حتى ينتصر المجيد من بينهم. وكان التسابق يتك من خلال القصائد الطوال التي كتبها الشعراء، فيلقي ما كتبه على مسامع الناس، وقد أنشأوا لذلك أسواقًا خاصة به، وكانت تسمى بالأسواق الأدبية، وكان سوق عكاظ من أكثرها شهرة، وسُمي بهذا الاسم لأن العرب كانوا يتعاكظون به أي يفتخرون فيه بقول الشعر.

ولم يكن الشعر الجاهلي قائمًا على البحور الشعرية، لأن تلك البحور كانت تعتمد على السليقة الشعرية للشعراء، وكانوا يقولون الشعر فلا يخطئون وزنه، نظرًا لما يتمتعون به من ذوق فني يعينهم على النظم دون الحاجة لتعلم الشكل الضابط للوزن أو القافية، أي أن الأمر يسير وفق سليقة الشاعر فقط، ولذا عُد الشعر في الجاهلي من مفاخر العرب باعتباره فنًّا خاصًا بالعرب تميزوا في صناعته. أما البحور الشعرية فقد قام الخليل بن أحمد الفراهيدي بوضعها، وقد استخلصها من الشعر الجاهلي وصدر الإسلام وفق شروط محددة، وكان ذلك عملاً مميزًا وخاصةً أن الشعراء قد بدأوا يلحنون في الأوزان، فأعد الخليل لهم تفعيلات محددة وأوزان وبحور دقيقة حتى يكتبون وفقها لا يخرجون عنها.

ومن أكثر الأشعار الجاهلية بروزًا وأثرًا، ما يسمى بالمعلقات العشر، وتلك القصائد قيلت في سوق عكاظ ونالت القبول، لذا كُتبت بماء الذهب وعلقت بأستار الكعبة اعترافًا بحسنها وحلاوة صياغتها، وقد ظلت تلك القصائد متداولة بشكل كبير بين العرب، وهي تدرس منذ مدة كبيرة في الجامعات والمدارس وتقام حولها الدراسات الشارحة والمفسرة لمعاني أبياتها، لكونها تنقل لنا لغة صافية عذبة، كما أنها تعطينا صورة عن الحياة في ذلك العصر. ونذكر فيما يلي مفتتح تلك القصائد العشر مع ذكر اسم الشاعر:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ( الشاعر: امرؤ القيس)

لخولة أطلال ببرقة ثهمد (الشاعر: طرفة بن العبد)

آذَنَتنَـا بِبَينهـا أَسـمَــاءُ (الشاعر: الحارث بن حلزة)

أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَـةٌ لَمْ تَكَلَّـمِ (الشاعر: زهير بن أبي سلمى)

أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا (الشاعر: عمرو بن كلثوم)

هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَـرَدَّمِ (الشاعر: عنترة بن شداد)

عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَـا (الشاعر: لبيد بن ربيعة)

وَدْع هُريّرةَ إنْ الركبَ مُرتَحِلُ (الشاعر: الأعشى)

أَقفْرُ مِنَا أهلهُ مَلحُوب (الشاعر: عبيد بن الأبرص)

يا دارَ مَيّة بالعَليْاءِ، فالسَّنَدِ (الشاعر: النابغة الذبياني)