خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المحن والأزمات

frank-mckenna-OD9EOzfSOh0-unsplash
Frank Mckenna-Unsplash

يعرف الصبر لغةً بأنه الحَبْس والامتناع مع الرضا وعدم التبرم والشكوى، واصطلاحًا بأنه الثبات على القيام بما شرعه الله واجتناب ما حرمه. والصبر قيمة من قيم الإسلام التي دعا الناس إلى التحلي بها والتزامها منهج حياة، لأن كل شيء في حياتهم يحتاج إلى الصبر، فالطاعة تحتاج إلى الصبر، والعمل يحتاج إلى التزام الصبر والمداومة، والنوائب والمحن والملمات كافة تحتاج إلى الصبر. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالاً يقتدى به في الصبر في كل رحلته، حيث واجه الأمور كلها بصبر واحتساب وتعرض للأذى والإبعاد عن بلده وأهله فصبر. وفيما يلي سنتحدث عن صبره صلى الله عليه وسلم ومواقفه التي عايشها مع الصبر أو عالجها من خلال الصبر.

حين بعث الله الرسول صلى الله عليه وسلم، واجه ردود الناس على قبول دعوته بالصبر، وتحمل الأذى وهو صابر، ولم يتبرم يومًا من قول أحد، رموه بالسَّلا وهي أمعاء الإبل، ووضعوها على ظهره الشريف وهو ساجد يصلي لله أمام الكعبة، وظل المشركون يتصايحون عليه ويضحكون، وأخذوا يتمايلون حتى جاءت ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها ورفعت تلك الأشياء عنه. وأيضًا إذا نظرنا إلى صبره صلى الله عليه وسلم في حصار شعب أبي طالب، حيث تم حصاره وأهله وأتباعه لمدة ثلاث سنوات، أملاً من المشركين في ردّهم عن دينهم، وعصف الجوع به وبأهله وأصحابه، حتى إنهم أكلوا أوراق الشجر من كثرة المحنة، وع ذلك ظل صلى الله عليه وسلم صابرًا محتسبًا.

حاول المشركون إغراءه صلى الله عليه وسلم بالمال والنساء والبنين على أن يترك الدعوة، لكنه رفض كل ذلك، وظل صابرًا أمام الترغيب والترهيب الذي يمارس ضده، ووجه إليهم قولته البليغة التي قسمت ظهورهم: “والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، أو أهلك دونه“. فدل ذلك على صبره صلى الله عليه وسلم، وعلى أنه لن يقبل بأي شيء سوى دين الله وما أمر به، وأن الدنيا بكل ما فيها لا تعنيه في شيء.

وظل صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة يدعو قومه في مكة فلم يسلم معه إلا القليل، ولكنه صبر واحتسب ولم ييأس من تبليغ كلام ربه إلى الناس، ولم يقف عند هذا فحسب، بل خرج إلى الطائف لينشر الدعوة هناك، محاولاً اجتذاب أهلها إلى الإسلام، فما كان منهم هم أيضًا إلا أن أغروا به سفاءهم وأطفالهم الصغار، فقاموا إليه ورموه بالحجارة فأدموا قدميه وجعله يلتجئ إلى حائط أو بستان بني ربيعة، وبعد هذا كله دعاء إليهم بالهداية وكان قادرًا على إهلاكهم ولكنه كان يرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله. فما أعظم صبره صلى الله عليه وسلم واحتسابه وقوة تحمله في السير لهداية الناس.

ويظل النبي صلى الله عليه وسلم صابرًا محتسبًا، ويضطر إلى ترك أهله وبلده مكة المكرمة، ويخرج مهاجرًا لله تعالى فارًا بدينه ومن معه من المسلمين، يفرون هربًا من أذى المشركين، فيطرد وهو صابر محتسب، مجبر على الخروج إلى طريق لا يعلمه، فقد فُرض عليه الخروج بعد أن ضيق عليه أهله وأبناء عشيرته وقومه سبل الحياة في مكة، فيصبر ولا يبدي شيئًا لهم سوى الدعاء بالهداية، وينظر صلى الله عليه وسلم إلى مكة من الخارج ويقول: “علمتُ أنكِ خيرُ أرضِ اللهِ، وأحبُّ الأرضِ إلى اللهِ، ولوْلا أنَّ أهلَكِ أخرَجُوني مِنكِ ما خرجتُ“. ودلّ ذلك على صبره صلى الله عليه وسلم في معايشة الفقد والرحيل عن الأهل والوطن.

خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة ليجد متسعًا ومكانًا خصبًا لتخرج منه الدعوة الإسلامية إلى الجزيرة العربية كلها، ثم تنتشر إلى باقي أرجاء العالم، وقد وجد حلاوة الصبر وعاقبته حين استقبله أهلها بالبشر والسرور والحفاوة، وأنشأ النبي صلى الله عليه وسلم فيها مجتمعًا إسلاميًا ظل يشتد ويتسع يومًا وراء آخر.