خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

صرخة المرأة التي حركت جيش الخلافة

ray-hennessy-YCh5-MpB6C8-unsplash
Ray Hennessy-Unsplash

لم يكن أحد يصدق أن صرخة مدوية لامرأة مسكينة في أصقاع بعيدة عن الخلافة، ستفعل هذا الفعل الجبار، وسيكون لها هذا الأثر الكبير. إنها لم تكن صرخة بقدرة ما كانت هبة قوية لاسترداد الكرامة التي تم سحقها تحت النعال، تلك المرأة ربما لم تكن تظن في نفسها أن صرختها ستصل إلى ما وصلت إليه، أو أنها كانت متأكدة أن صرختها إن وصلت الخليفة يتحرك لنجدتها، فما قصة تلك الصرخة التي أججت معركة حامية بين جيش الخلافة وجيش البيزنطي، في معركة عُرفت باسم عمورية.

ابتدأت القصة مع قيام رجل رومي بلطم امرأة مسلمة، فما كان من المرأة إلا أن قالت مستنجدةً: “وا معتصماه، وتقصد الخليفة المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، ثامن خلفاء الدولة العباسية، ويذكر لنا ابن كثير في البداية والنهاية تلك القصة بالتفصيل. حيث كان الإمبراطور البيزنطي قد قام ببعض الاعتداءات الوحشية على مدينتي زبطرة وملطية وهما تتبعان الخلافة الإسلامية، فقدم على الخليقة في تلك الأثناء إبراهيم بن المهدي، ثم أنشده قصيدة من الشعر تصف ما جرى من وحشية في تلك المدينتين، فاستعظم الخليفة ذلك وتغيرت ملامحه، ثم أنه زاد جرج الخليفة وقال له: إن امرأة هاشمية صرخت: وا معتصماه، عندما قام رجل من الروم بلطمها. فقام المعتصم من على كرسيه وقال: “لبيكِ لبيكِ، وأقسم ألا يمس جسده طهور من جنابة حتى ينتصف لها، ونادى بالجند أن يجمعوا الجيش والعتاد، وتساءل أي مدنهم أقوى، فقال له عمورية، ولم يسبقك إليها أحد من المسلمين.

وفي شهر رمضان من عام 223 هـ، تحرك الجيش الإسلامي ملبيًا تلك الصرخة وصرخات المظلومين غيرها، قاصدًا مدينة عمورية (تركيا حاليًا) لما تمثله من أهمية اقتصادية وحربية عند الروم، وتعد مركز الإمبراطورية البيزنطية. وسار الجيش باتجاهها، بجميع العدة والعتاد اللازم، وكانت عمورية تمتلك أسوارًا عالية منيعة جعلتها محصنة أما أعتى الجيوش، لذا قام الخليفة المعتصم بالدوران حول أسوارها لتفقدها ومعرفة المناطق التي يمكن اختيارها لنصب المنجنيق، ثم قام بتقسيم الجنود والقواد عليها، بحيث أعطى لكل قائد منهم عددًا من الأبراج للإشراف على عملها.

تحصن أهل عمورية داخل أسوار مدينتهم، وبحث المعتصم وجنوده عن ثغرة توصلهم إلى الطريق السليم، وبعد بحث وجد أحد العرب النصارى ممن تزوج من عمورية وأقام فيها، وقد أعلمه هذا العربي بأمر مهم، وهو أن سيلاً أصاب المدينة منذ سنوات، وهدم جزء من السور، وقد أمر الإمبراطور عامله على المدينة ببنائه مرة أخرى وأرسل إليه البنائين، لكنهم قاموا بعمل شيء غريب، إذا أقاموا الحجارة من الجهة الخارجية فقط، وما بينها وبين نهاية السور القديم قاموا بحشوه فقط، فيظهر للواقف خارجًا أنه جزء من السور القوي، ولكنه ليس بقوة باقي المناطق في الحقيقة. وأقام المعتصم خيمته عند هذا الموضع فهو الأقرب لفتحها، وأخذت المنجنيق تعمل وبدأ السور في الاتساع قليلاً قليلاً، فما كان منه إلا أن دعموه بالأخشاب القوية، ومع استمرار القذف تصدع السور، وتكسرت الأخشاب، وعلم العامل أن المدينة لا يمكنها الصمود، فأرسل برجلين من رجاله أحدهم عربي، فخرجا متخفيين، ولما رآهما الجند المسلمون أنكروهما، وأرسلوا بهما إلى المعتصم، الذي أمر بتفتيشهم، وعلم مما كان معهم من كتاب، أنهم ينوون الخروج ليلاً لكسر الحصار وضرب المسلمين أيما تكن النتائج.

تصدع السور أكثر وأكثر، وكان هناك موضع قد أصابه الضرر بشدة، ولم يرسل حاكم المدينة جندًا إليه، فتضايق الجند وأيقنوا الهلاك، ولذا عندما أصبح الصباح طلب أحدهم أن يقابل أمير المؤمنين، فسمح له بذلك، فطلب لنفسه ولزملائه الأمان وألا يصيبهم شيء، فأعطاه الخليفة ذلك، ثم إنه خرج مع الخليفة وأشار إليه أن العامل في تلك النقطة، وصاح به بعض الجنود أن أخرج لأمير المؤمنين، فلم يفعل، ثم صعد جندي مسلم على السلم ونادى على العامل أن يخضع لحكم أمير المؤمنين، فألقى العامل سيفه ونزل من الحصن، ووقف بين يدي المعتصم الذي ضربه بسوطه على رأسه وأمر به أن يسحب موثقًا وموهانًا إلى موضع إقامة الخليفة، وبذلك تم الإعلان عن سقوط عمورية بيد المسلمين.

سقطت عمورية بعد خمسة وخمسين يومًا من الحصار، ودعا المعتصم المرأة الهاشمية وأحضرَ لهُ الجندُ الرجلَ الرومي الذي لطمها، فخيرها بين أن تتخذه عبدًا وخادمًا لها، أو أن تعتقد لوجه الله، فاختارت أن تعتقه لوجه الله. وهكذا فعلت تلك الصرخة فعلها المؤثر وحركت جيش الخلافة.