صلاة التراويح وعمر بن الخطاب

صلاة 12 Ramadan 1442 AH عبدالله توبة
صلاة التراويح وعمر بن الخطاب
© Hikrcn | Dreamstime

لا شك أن صلاة التراويح أحد المعالم المميزة لشهر رمضان. فمع رؤية هلال أول ليلة من شهر رمضان فإن المسلمين يستعدون لأداء شعيرة من الشعائر العظيمة. فنجد المساجد قد امتلأت بالمصلين من أجل الفوز بأداء تلك الصلاة. وفي هذه المقالة سنتعرف عن قرب على قصة صلاة التراويح وعمر بن الخطاب وكيف بدأت.

بداية صلاة التراويح

من الحقائق الثابتة أن قيام رمضان من أفضل الأعمال التي يتقرب بها المسلم لربه في ليالي الشهر الفضيل. روعلى ذلك جاء حديث النبي -صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” (أخرجه البخاري ومسلم). والحديث يؤكد أن قيام رمضان إيمانًا بالله تعالى واحتسابًا للأجر قد يكون سببًا من أسباب غفران ما تقدم للعبد من ذنوبه. والحديث السابق عمدة في مشروعية صلاة التراويح في رمضان.

لقد صلّى النبي -صلى الله عليه وسلم- التراويح بأصحابه ليلتين أو ثلاث لكنه لم يستمر في الصلاة بهم إمامًا. ولم يرد أن يجمعهم على الصلاة مخافة أن تفرض عليهم، فعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلى في المسجدِ ذاتَ ليلةٍ، فصلَّى بصلاتِه ناسٌ، ثم صلَّى من القابلةِ. فكثُر الناسُ، ثم اجتمعوا من الليلةِ الثالثةِ، أو الرابعةِ، فلم يخرجْ إليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فلمَّا أصبح قال: قد رأيتُ الذي صنعتُم، فلم يَمنعني من الخروجِ إليكم إلَّا أنِّي خشيتُ أن تُفرَضَ عليكم” (أخرجه البخاري ومسلم).

والحديث يؤكد رحمة النبي -صلى الله عليه وسلم- ورفقه بأمته إذ إنه قد خاف أن يجمعهم على الصلاة فتفرض عليهم. وعلى هذا فإن النبي قد صلى التراويح وصلى الناس بصلاته يومين أو ثلاثة فلما كانت الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- للصلاة بأصحابه. وأعلمهم أنه قد رأى ما صنعوا فلم يخرج إليهم مخافة أن تفرض عليهم التراويح.

 صلاة التراويح وعمر بن الخطاب

استمر الأمر على هذا الحال طوال حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يجمع الناس لصلاة التراويح. وكذلك أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فلما كانت خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- رأى أن يجمع الناس على إمام واحد يصلي بهم التراويح فقد روي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ :

“خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ. فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ. فَقَالَ عُمَرُ: “إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ. لَكَانَ أَمْثَلَ ثُمَّ عَزَمَ ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى. وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: “نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ ” (أخرجه البخاري).

دلالة الرواية

والرواية السابقة تؤكد أن عمر بن الخطاب قد جمع الناس على إمام واحد من أجل أن يكونوا على قلب رجل واحد. ذلك أنه رأى بعض الناس يصلون بمفردهم وآخرون يصلون خلف إمام. فوجد أن جمعهم على إمام واحد في تجسيد للوحدة الإسلامية وتنظيم للأمر. وقوله نعم البدعة هذه: أي الأمر الجديد الذي لم يكن معهودًا. فالبدعة هنا المقصود بها المعنى اللغوي لا المعنى الشرعي. ومن المعلوم أن الناس لم يكونوا يجتمعون على إمام بصورة دائمة في صلاة التراويح.

إن ما فعله عمر بن الخطاب له أصل قوي ومستند شرعي من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك أن النبي قد خاف أن تفرض صلاة التراويح على الأمة. فلما انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى زالت هذه العلة. لأن من المعلوم أن الدين قد كمل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ولن يتغير تشريع بعده. فرأى عمر بن الخطاب أن يرجع الأمر إلى ما فعله النبي ليلتين أو ثلاث من الصلاة بأصحابه. فكان خيرًا ما فعل وتلقت الأمة فعله بالقبول. وصار المسلمون ينتظرون شهر رمضان بشوق كبير من أجل أداء هذه الشعيرة العظيمة.

 

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية