خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

صناعة القدوة

© Pongpipat Yatra | Dreamstime.com

هناك نظريات كثيرة حول عملية التربية، لكن كلها تتطلب مجهودًا شاقًا، وقد لا تنجح في إحداث الأثر المطلوب، وكل هذه النظريات تستلزم عملاً وخطوات ملموسة رغم أن نتائجها غير محسومة على الإطلاق. في حين نجحت بصورة لافتة للنظر مسألة التربية من خلال القدوة، إذ أحدثت الأثر المطلوب وجنت ثمارها في الأبناء والصغار، وأضحت اليوم من أهم النظريات التربوية حول العالم، لما وجد فيها من تميز وجدارة أخلاقية والتزام علمي واضح، فالشخص الذي يؤثر في الصغار بسلوكه القويم أكثر تأثيرًا من الشخص الذي يؤثر ببث بعض الأفكار التي قد لا يفهمها الصغار.

والقدوة هي تقديم السلوك الصادق والاحتذاء به، بحيث يتحول الشخص الأكبر سنًا إلى مثل يقتدي به الصغار في أقوالهم وأفعالهم، ويصل الصغار من خلال ذلك إلى تعلم القيم الراسخة والسلوك الحميد، ولا يحتاجون إلى كثير من الأفكار والسلوكيات التي يتم بثها لهذا الغرض، لأنها أمور تعليمية قد لا تعبر عن الواقع الفعلي. وأسلوب القدوة أكثر سهولة في السيطرة على سلوك الصغار، فإذا رأوا أن الكبار لا يكذبون فإنهم يتحلون بالصدق، وإذا رأوهم لا يقولون قولاً فاحشًا لم يتعلموا شيئًا من هذا الفحش، إن الصغار يأخذون الكلمات التي ننطق بها والأفعال التي نمارسها سلوكًا لهم.

وفي تاريخنا الإسلامي العديد من النماذج التي نأخذها قدوة ونطبق من خلالها على الأبناء، فترتفع همتهم ويعظم شأنهم. ويأتي على رأس القدوة في كل وقت وحين، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو المعلم والقائد والرسول المجتبى، فكل أفعاله وأقواله تعد سلوكًا يمكن الاحتذاء به، فقد قال الله تعالى: ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا” (الأَحْزَابِ: 21). وقد دل ذلك على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، في أقواله وأفعاله، وأن القدوة تؤثر أكثر من أي شيء آخر.

ومن أجل ذلك كانت صناعة القدوة مسألة مهمة، لكونها تؤثر في الأجيال، وتصنع جيلاً قادرًا على التميز آخذًا بسلوك قويم وأفكار معتدلة، فقد رأى أمامه النموذج الأعلى من القيم، فأصبح يحلم أن يصبح مثله، إن عملية التأثير تلك مهمة جدًّا، لأنها تظل ماثلة أمام الصغار يأخذون منها باستمرار، ويرونها في كل ما يقومون به. لذا فإن صناعة القدوة أصبحت اليوم من الأولويات التي يسعى الآباء على إيجادها لأبنائهم، فإما أن تكون تلك القدوة في المحيط الذي يحيون فيه، أي في الأسرة والبيئة الاجتماعية، أو في المدرسة والمحيط التعليمي، أو أن يختار الأب شخصًا مؤهلاً لتربية الأبناء من خلال القدوة، ولا شك أن العملية التي كانت تتم في الماضي حين كان الأمراء يأتون بالمعلمين والشيوخ إلى قصورهم، كانت لذلك الغرض أيضًا، فهم إلى جانب علمهم الغزيز كانوا أئمة في زمانهم وأمثلة عليا يقتدى الناس بهم.

إذن كيف نمارس دورنا على الأبناء بوصفنا قدوة؟ يجب أن نقدم صورة مشرقة لهم من خلال سلوكياتنا وأفعالنا وأقوالنا، لا يمكن أن ننقل لهم شيئًا ليس موجودًا فينا، بل إن الحكمة تقتدي أن نربيهم بما نحن عليه من قناعة وأفكار وصدق، لا يمكن للأبناء أن يروا الأب كاذبًا في أقواله ثم أطلب منهم الصدق، هذا أمر محال، يجب أن نكون قدوة أولاً لكي نصلح الأبناء ونربي الأجيال. يجب أن نحاول دائمًا تعهد الأبناء بالرعاية وجعل جزء من أوقاتنا للمناقشة وترك الأطفال يعبرون عن أنفسهم، ويمكن أن نقص عليهم بعض الحكايات المفيدة الهادفة فهي مؤثرة في سلوكهم بعد ذلك.

إن صناعة القدوة مهمة وتحتاج منا إلى جهد كبير، لقد تحولت تلك الصناعة إلى استثمار كبير اليوم، وأصبح لها نظرياتها الخاصة وأسلوبها التربوي المميز.