خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

ظاهرة التنمر وأثرها على الفرد والمجتمع

ID 169422646 © Fizkes | Dreamstime.com

تمثل ظاهرة التنمر أحد الأشكال العدوانية في المجتمع، وهي باتت منتشرة ومتغلغلة في طيات حياتنا الحديثة خاصة بعد هذا التقدم التقني الكبير الذي وسَّع من انتشارها وزاد من حدتها. وهي تنطوي على ممارسة عنيفة وسلوك عدواني من جانب مجموعة من الناس، أو فرد من الأفراد، تجاه آخرين يعيشون معهم. وقد أصبحت تلك الظاهرة أكثر انتشارًا بين طلاب المدارس، نظرًا لقلة خبرتهم الحياتية وخاصة من الناحية الاجتماعية، وتتصف تلك الظاهرة بالتكرار، أي أنها تحدث مرة بعد آخر. إن حدوث اعتداء على شخص آخر يعد تعبيرًا عن وجود خلل في ميزان القوى وتملك السلطة بين الأفراد؛ لأن الذين يلجأون إلى التنمر يستخدمون قوتهم البدنية للوصول إلى ما يصبون إليه، وعامة فإن الشخص سواء كان متنمِرًا أو متنمَّرًا عليه، فإنه أصبح معرضًا لمشاكل نفسية خطيرة ومستمرة.

والتنمر ليس شكلاً واحدًا ثابتًا، وإنما ينقسم إلى عدة أقسام، فهناك التنمر اللفظي، وهو منتشر بشدة بين الأعمار الصغيرة، ويكون باستخدام ألفاظ محددة مثل الألقاب وانتحال كُنية مضحكة للشخص بغرض الاستهزاء، أو كتابة ملصقات مسيئة. وهناك التنمر العنيف الذي يشتمل على التهديد والوعيد. وهناك التنمر من خلال التحرش الجنسي، والذي يعد سلوكًا فوضويًا مزعجًا ويتسبب في أضرار كثيرة نفسية واجتماعية. ومن أصعب أنواع التنمر ما يسمى بالتنمر العنصري والتي يمثل انتقاءً في المعاملة بين الناس على أساس الجنس أو النوع أو الدين. وهناك نوع آخر يسمى بالتسلط الإلكتروني، ويكون باستخدام وسائل إلكترونية متعددة باستخدام شبكة الإنترنت أو الهاتف من أجل الإجبار والتهديد والوعيد.

يؤثر التنمر على الفرد والمجتمع، من الناحية الفردية فإن الفرد الضحية الذي يتعرض للتنمر إنما يعاني من قلق نفسي وحزن وغالبًا لو استمر الأمر طويلاً فإنه يدخل في حالة من الاكتئاب الحاد، وأيضًا يؤدي إلى انهيار الضحية وتسربه من التعليم إن كان في مرحلة مبكرة، ويتأثر التحصيل الدراسي بذلك الأمر، مما يؤدي في النهاية إلى التسرب من التعليم. وكذلك حدوث تغيرات في الروتين اليومي واضطراب النوم، وحدوث تغيرات في أسلوب تناول الطعام، مع الابتعاد عن الأنشطة المفضلة إليه والميل للعزلة والوحدة، وكراهية الذات والمجتمع. أما على صعيد المتنمِّر الذي يقوم بهذا العدوان، فإنه يصبح عرضة للأمراض النفسية والإحساس بالكبر والتملق وتضخيم الذات، وهذا يؤثر عليه بشكل كبير ويعرضه للدخول في مشاكل اجتماعية ونفسية متعددة.

ومن الناحية الاجتماعية فإن التنمر يعد مؤثرًا بشكل ملحوظ وظاهر، ويتجلى أثره في أنه يتسبب في وجود صعوبة لإقامة الصداقات والحياة بشكل اجتماعي وعاطفي سليم. إضافة إلى انعدام الثقة بالآخرين والذات، مع الشعور بمشاعر سلبية متفرقة، مثل: الغضب، والحزن والمرارة والضعف والعجز والعزلة… وهي مؤثر بشكل كبير على علاقات الإنسان بغيره من الناس، وربما وصل الأمر بالضحية إلى التفكير في الانتحار بسبب ما يمر به من أحداث مؤلمة تؤثر على إدراكه النفسي وسلوكياته المختلفة. وقد يصل الأمر إلى ارتكاب بعض الأمور المحرمة مثل تعاطي المخدرات وشرب الخمر والمسكرات، لأنها في نظره تغيب وعيه عن الشعور بالآلام التي يعايشها في واقعه.

ويشعر أهل الأشخاص الذين تعرضوا إلى التنمر بالضيق الشديد والإحساس بعدم القدرة على احتواء الموقف وإعادة أبنائهم إلى ما كان عليه قبل ذلك، ويصبح تدارك الموقف صعبًا عليهم وخاصة في البداية، ويشعرون بعد فترة من الزمان أن العزلة والوحدة هي الحل السريع للخروج من ذلك الموقف. كما أنهم يعيشون في جو مريب مليء بالحزن والمرارة، والإحساس بالفشل الذريع في قدرتهم على حماية ابنهم أو من يحبون من التعرض إلى التنمر. وقد تتولد لدى الشخص الذي تعرض للتنمر حالة سلبية تنقله إلى الدخول في مشاجرات وخصومات اجتماعية، وقد تنتهي بارتكاب الجرائم. ومن ثم وجب تدارك الأمر مبكرًا على المستوين الشخصي والعائلي.