عائشة القرطبية: أديبة الأندلس

فن 7 Rajab 1442 AH أحمد جمال
عائشة القرطبية
Photo 46976431 © Joancc | Dreamstime.com

عائشة القرطبية إحدى الشخصيات النسائية الخالدة في تاريخنا الإسلامي. والتي كان لها أثر كبير في إثراء الحضارة الإسلامية في بلاد الأندلس أثناء الحكم الإسلامي. وقد شهد معاصروها بفضلها ومكانتها وتفوقها على أقرانها. حتى عدها البعض من أشهر نساء الأندلس على الإطلاق إن لم تكن أشهرهم. وقد استطاعت القرطبية أن تفوق الرجال في مجالات لطالما نبغوا فيها كالشعر والخط العربي والفقه.

من هي عائشة القرطبية؟

هي عائشة بنت أحمد بن محمد بن قادم القرطبية ولدت في القرن الرابع الهجري. ولا يعرف تاريخ مولدها تحديدًا وقد ولدت في مدينة قرطبة حاضرة المسلمين في الأندلس. وعندما نتحدث عن القرن الرابع الهجري فإنه قد شهد ازدهار الخلافة الأموية في بلاد الأندلس ما كان له بالغ الأثر في إثراء الحياة العلمية والثقافية في البلاد. ولعل نبوغ القرطبية يفسر ذلك. وقد كان القرن الرابع الهجري بمثابة التمهيد للنهضة الحضارية الكبرى في كافة مجالات الآداب والفنون والعلوم والتي حدثت في القرن الخامس الهجري.

نشأت عائشة القرطبية في أسرة معروفة بالعلم والفكر، حيث كانت أسرتها من أعرق الأسر الأندلسية. والتي امتد عطاؤها الثقافي والعلمي لقرون من الزمن. وقد حفظت القرطبية القرآن الكريم وهي صغيرة. ثم درست الفقه وعلوم الشريعة والعربية واهتمت بدراسة الأدب. حتى قيل إنها أشعر نساء عصرها على الإطلاق.

وقد وصفها ابن حيان في كتابه المقتبس بأنها: “لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس مَنْ يَعْدِلُها علمًا وفهمًا وأدبًا وشعرًا وفصاحةً. تمدحُ ملوك الأندلس وتخاطبهم بما يَعْرِض لها من حاجة، وكانت حسنة الخَطّ. تكتب المَصاحف” ولا شك أن هذا الوصف من ابن حيان وصف له مكانته ومنزلته فهو وصف صادر عن عالم موسوعي، وهذا يؤكد الأثر الكبير الذي تركته عائشة في عصرها.

أشعر من المتنبي!

وقد قيل إنها من عجائب عصرها حتى عدها البعض أشعر من أبي الطيب المتنبي، وعندما نذكر المتنبي. فإننا نتحدث عن شاعر فحل ضليع له قصب السبق في الشعر العربي، ومسألة مقارنة القرطبية به. يدل دلالة قاطعة على أنها قد بلغت شأوًا كبيرًا ومنزلة عالية في الشعر العربي.

ومن أشعارها الجيدة ما قالته أثناء دخولها على أبي المظفر بن أبي عامر وكان عنده أحد أبنائه فقالت:

أراكَ اللهُ فيـــه ما تُرِيدُ ……. ولا بَرِحَت معاليه تزيدُ

فقد دلَّت مَخَايِلُهُ على مـا ……..  تُؤَمّله، وطالعه السعيدُ

تشوّقت الجيادُ لهُ وهَزّ ال   …….حسامُ هوى وأشرقت البنودُ

فسوف تراهُ بَدرًا في سَماءٍ ……. من العليا كواكبه الجنودُ

وكيف يخيب شِبل قد نَمَتْهُ ………إلى العليا ضراغمةٌ أُسودُ

فأنتم آلَ عامِرَ خيرُ آلٍ ……….زكا الأبناءُ منكمْ والجدودُ

وَلِيدُكمُ لدى رأي كشيخ ……….وشيخكُم لدى حَرْبٍ وَلِيْدُ

وبإمعان النظر في هذا الشعر يتبين لنا أننا بصدد أديبة متمكنة يمتاز شعرها ببراعة الاستهلال. وقوة الأسلوب وجزالة العبارة وفخامة المعاني والقدرة الكبيرة على تطويع معاني البديع والبيان.

ويمكن القول إن البيئة العلمية الموجودة في بلاد الأندلس قد ساهمت بشكل كبير على وصول القرطبية إلى ما وصلت إليه. خاصة إذ ما وضعنا في الاعتبار أن الحضارة الإسلامية حضارة تهتم بالمرأة وتنظر إليها على أنها أحد أسباب التقدم وتحقيق النهضة العلمية.

ومن تابع تاريخ الإسلام الطويل تأكد من حقيقة مفادها أن الإسلام قد ذلل الصعوبات والعقبات أمام المرأة. فظهر لنا في التاريخ الإسلامي نساء خالدات كان لهن بالغ الأثر في إثراء الحضارة الإسلامية والنهوض بكافة مظاهر الحياة.

وبعد رحلة طويلة من العطاء توفيت الأديبة الأريبة الفقهية عائشة القرطبية عام 400 هـ. ودفنت في قرطبة بعد أن تركت أثرًا كبيرًا في الأدب والفقه وسائر العلوم.

 

أحمد جمال

كاتب ومدون