عجائب الحُفاظ الشَّناقِطة

dreamstime_xs_88565561
© Diego Grandi | Dreamstime.com

في الحياة التي نحياها عجائب كثيرة، ولعل إحداها ما نجده عند الحفاظ الشناقطة، وعامة فإن تلك مهارة سحرية تحولت مع الوقت إلى ما يشبه الشيء العجيب. والعجائب في الحفظ متنوعة منها عجائب في قوة الحفظ وعجائب في كثرته، وخلال مسيرة الأمة الإسلامية ظهرت نماذج وشخصيات عديدة عُرفت بالقدرة على الحفظ في كلا هذين النوعين، ومن النماذج التي تميزت بالحفظ ما بين قوته أو كثرته أهل شنقيط أو الشناقطة (موريتانيا حاليًا)، فلأهلها ملكة حفظ نادرة وطاقة عالية جعلتهم يفخرون بها ويُعْرفون من خلالها.

يقول الأستاذ إبراهيم بن أب الحسني الشنقيطي: يسكن موريتانيا كثير من القبائل العربية التي تنتمي أغلبها إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم. ولغة الشناقطة هي العربية، بينما لهجتهم هي الحسانية، ويتميزون بلباس موحد ولهم تاريخ مشترك.

إن من أهم سمات علماء الشناقطة، القوة الفذة والقدرة الفائقة على استحضار النصوص، وذلك لأنهم لم يكونوا يشتغلون إلا بنص واحد، فإذا أتقنوه بدؤوا بآخر، فمتانة الحفظ وسرعته عندهم جاءت من خلال طريقة متبعة ومنهج مرسوم وهمّة عالية أوصلتهم لهذه المكانة، ولا شك أن صفاء الحياة عندهم من أكدار المدينة ومتاعبها وشواغلها، جعلهم يتميزون بالحفظ المتقن مع كثرة التكرار والمداومة والطلب في الصغر.

ومن أخبارهم ونوادرهم في الحفظ ما ذُكِر في ترجمة العلامة عبد الله بن عتيق اليعقوبي المتوفى سنة 1339 هـ، أنه كان يحفظ لسان العرب لابن منظور، وكان الغلام من قبيلة مُدِلش يحفظ المدونة في فقه الإمام مالك قبل بلوغه، وكانت توجد في قبيلة جكانت ثلاثمائة امرأة تحفظ الموطأ فضلاً عن غيره من المتون، وفضلاً عن الرجال، ولهذا قيل: العلم جكني. ومن العجيب ما تجده من محفوظات فقهائها غير متون الفقه والأصول وما يتعلق بالتخصص، فهذا قاضي ولاته وإمامها سيدي أحمد الولي كان يحفظ مقامات الحريري وليست من فنون القضاء ولا الفقه.

وأما المتخصص في الأدب والشعر فلا يحفظ أقل من ألف بيت في كل بحر من بحور الشعر العملية، وذلك حتى تتهيأ له ملكة أدبية أو أن يقوم بنثر ما يريد. فهذا العلامة الأديب محمد محمود بن أحمدية الحسني، كان يحفظ في الأدب مقامات الحريري، والمستطرف، وكامل المبرد, والوسيط في أدباء شنقيط، ودواوين المتنبي وأبي تمام والبحتري، وهذا في الأدب وحده دون غيره من فنون المنهاج الدراسي في المحظرة.

ومن نوادر نساء الشناقطة في قوة الحفظ، ما حدّث به العلامة محمد سالم بن عبد الودود، أن أمه مريم كانت تحفظ القاموس المحيط، وقد استوعبته بطريقة غريبة، حيث كان والدها يرسلها من حين إلى آخر لخيمة أحد علماء الحي تنظر له معنى كلمة في القاموس، فكانت البنت تحفظ معنى الكلمة وتعود إلى والدها, وهكذا حتى حفظت مادة القاموس. ومن النساء المعاصرات العالمة المفتية الفقيهة مريم بنت حسين الجكنية والدة الشيخ عبد الله بن الإمام، والتي كانت تشرح لتلامذة ابنها في ألفية بن مالك إذا لم يكن ابنها موجودًا في البيت، كما أنها كانت تحفظ من المتون الفقهية وتفتي النساء ولها ألفية في السيرة.

لقد حبا الله سبحانه الشناقطة ذاكرة قوية تميزوا بها، حتى صارت حكاياتهم في الحفظ غريبة، تشبه الأساطير وما يجري مجرى العادات الخارقة. ولا تزال تلك الملكة متوارثة فيهم، وتخرج تلك المنطقة عددا من الحفاظ الذين يصبحون مع مرور الوقت مضربًا للمثل.

إن مهارة الحفظ وإن كانت عادية لدى الجميع، غير أنها لدى الشناقطة تحولت إلى أمر عجيب، نظرًا لأنهم استخدموها بكثرة وعناية وحفظوا بها المتون والمجلدات الكبيرة، وليس مجرد حفظ عادي مما يتعارف عليه بين الناس، فكانت تلك سمة من سماتهم المميزة.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!