خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

عدل الفاروق عمر رضي الله عنه مع رعيته

كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أعدل الناس، وقد وردت الكثير من الآثار الدالة على ذلك، ففي سيرته العطرة نجد صفة العدل ملاصقة لشخصيته وحكمه. وقد أثنى عليه النبي محمد  صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ جعل الحقَّ على لسانِ عُمَرَ وقلْبِه”، وقال ابنُ عمرَ ما نزل بالنَّاس أمرٌ قَطْ فقالوا فيه وقال فيه عمرُ أو قال ابن الخَطَّابِ فيه شَكَّ خارِجَةٌ إلا نزل فيه القرآنُ على نَحْوِ ما قال عُمَرُ” (رواه الترمذي: 3682). والمعنى: إنَّ اللهَ سدَّد عُمرَ ووفَّقه وأجْرى الحقَّ على لِسانِه وثبَّته في قلبِه.

 ومن الدلائل على اتصافه بالعدل أنه لم يكن يخشى في الله لومة لائم، ويقيم الحدود على القريب أو البعيد، وعلى القوي قبل الضعيف، والغني قبل الفقير، حتى إنه ليضرب به المثل في ذلك. ويروى أن جيوش المسلمين غزت في عهده بلاد فارس وتوغلت في البلاد حتى وصلت إلى نهر لا جسر عليه للعبور، وعندئذٍ أمر قائد الجيش أحد الجنود بأن ينزل إلى الماء للبحث عن مكان قليل الماء ليخوض فيه الجيش، وكان اليوم شديد البرودة، لذا قال له الجندي لقائده أخشى إن دخلتُ إلى الماء أن أموت، وما إن نزل إلى الماء حتى أخذ يصيح: يا عمراه، يا عمراه، ولم يلبت إلا قليلاً حتى مات، فلما بلغ هذا الخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في سوق المدينة حتى قال: “يا لَبَيَّكَاه يا لَبَّيْكَاه”، وأعطى أوامره بعزل قائد ذلك الجيش، لأنه لم يرحم ضعف هذا الجندي وتركه يهلك.

لقد كان من عدل الفاروق عمر رضي الله عنه أنه فتح الأبواب في وجه أفراد رعيته للوصول إليه متى أرادوا، وذلك لكي يتفقد أحوالهم بنفسه، ويمنع الظلم عنهم، كما أقام العدل بين الولاة في الأمصار والرعية، وحكم بين المتخاصمين فأصلح النفوس وهذب القلوب. وكان يعمل دائمًا وفق قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” (سورة المائدة: 8). ولذا كان الفاروق قدوة في عدله، لذا فإن القلوب قد تفتحت له وانتبهت الأسماع، وكان حكمه يقوم على العدل الشامل بين الناس. ومن ذلك ما رواه سعيد بن المُسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ، فَقَضَى لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ. فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: إِنَّا نَجِدُ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ إِلاَّ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ يُسَدِّدَانِهِ، وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ” (موطأ مالك: كتاب الأقضية- باب الترغيب في القضاء بالحق: 1206).

وكان الفاروق رضي الله عنه لا يفاضل بين الناس، بل إن الناس أمامه سواسية، بل كان يغضب أشد ما يكون الغضب حينما يعلم أن هذا يحدث من أحد من رعيته، ومن ذلك ما حدث حين فتح الله على المسلمين البلاد في عهده فكثُر الخير والمال، فأراد أن يوزعه على المسلمين كافة دون استثناء، لذا فإنه الناس قد ازدحموا لأخذه، وكان من بين الواقفين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وظل واقفًا حتى وصل إليه. فإذا علمنا أن هذا الصحابي الجليل من العشرة المبشرين بالجنة، وأنه فتح العراق ومدائن كسرى، وأن له في الإسلام أيامًا ناصحة وأيادي بيضاء، أدركنا مقدار عدل عمر رضي الله عنه ومساواته بين الناس.