خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

عرفات يوم المغفرة وإتمام النعمة

ID 59775672 © Hikrcn | Dreamstime.com

إنه يومٌ عظيمُ الفضل والأثر، يوم إجابة الدعوة وغفران الذنوب وإقالة العثرات، يباهي الله تعالى فيه الملائكة بأهل الموقف في عرفات، وقد خصه الله تعالى بالفضل الواسع، فهو يوم إتمام النعمة. ومن هنا كان لا بد أن نتوقف على بعض من فضائل ذلك اليوم، وهي كما يلي:

أولاً: أنه يوم أقسم الله تعالى به، ودل ذلك على عظمته، وهو اليوم المشهود في قوله تعالى: “وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ” (سورة البروج: 3)، وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يومُ عرفة، والشاهد يوم الجمعة” (رواه التِّرمذي وغيره)، وهو أيضًا الوتر في القسم الذي ورد في سورة الفجر: “وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ”، وفي الحديث الذي رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن العَشْر عشرُ الأضحى، والوتر يومُ عرفة، والشَّفْع يومُ النَّحر” (رواه أحمد والحاكم).

ثانيًا: أنه اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق من ذُرية آدم عليه السلام، فعن بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أَخَذَ اللهُ تبارك وتعالى الميثاقَ مِن ظهر آدم بـ “نَعْمان”- يعني: عَرَفة- فأخرج من صُلبه كل ذُريَّة ذَرَأَها، فَنَثَرَهُم بين يديه كالذَّرِّ، ثم كلَّمهم قِبَلاً، قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ” (سورة الأعراف: 172)”، (رواه أحمد والحاكم وصَحّحه الألباني).

ثالثًا: أنه يوم إكمال الدين وتمام النعمة: فمما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: “يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشرَ اليهود نزلَتْ، لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ قال: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” (سورة المائدة: 3)، قال عمر: “قد عَرَفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلتْ فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بِعَرَفة يوم الجمعة” (رواه البخاري).

رابعًا: أنه يوم عيد لأهل الموقف: فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: “يومُ عرفة، ويوم النَّحر، وأيام التشريق-عيدُنا- أهلَ الإسلام- وهي أيام أكل وشُرب”. (رواه أبو داود، وصحّحه الألباني). وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “نزلتْ آية: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ…”، يومَ جمعة، يومَ عرفة، وكلاهما بحمدِ الله لنا عيد” (رواه الطبراني، وابن جرير).

خامسًا: أنه يوم غفران الذنوب والعتق من النيران، ويوم تباهي الله تعالى بأهل عرفات، فقد ورد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما مِن يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا مِنَ النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهِي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟” (رواه مسلم)، وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “وما مِن يوم أفضل عند الله مِن يوم عرفة، ينزل الله إلى السَّماء الدُّنيا، فيباهِي بأهل الأرض أهلَ السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثًا غُبرًا ضاحِين، جاؤوا من كلّ فجّ عميق، لم يروا رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم أرَ يومًا أكثر عتيقًا منَ النار من يوم عرفة” (رواه أبو يَعْلى وغيره، وهو حديث حَسَن).

ودلت كل الآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أهمية ذلك اليوم ومكانته، ومن ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: “أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وَقَفَ بعرفات، وقد كادتِ الشَّمس أن تؤوبَ، فقال: “يا بلالُ، أنصِتْ لي الناس”، فقام بلال، فقال: أنصِتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنصتَ الناس، فقال: “يا معشر الناس، أتاني جبريل عليه السلام آنفًا، فأَقرَأَني من ربِّي السلام، وقال: إنَّ الله -عزَّ وجلَّ- غَفَرَ لأهل عرفات وأهل المشعر، وضَمن عنهم التَّبعات”، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاصة؟ قال: “هذا لكم، ولمن أتى مِن بعدكم إلى يوم القيامة”، فقال عمر بن الخطاب: “كَثُر خير الرَّب وطاب” (حديث حسن أورده المنذري، وعزاه لابن المبارَك).