خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

عظماء خالدون: أبو بكر الصديق

يكفي أن يكون أبو بكر الصديق هو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة، حتى يكون من أفضل الشخصيات العظيمة التي خلدها التاريخ. وهو أبو بَكر الصدِّيق عبد الله بن أبي قُحافة التَّيمي القُرَشيّ، وهو من أشراف قريش ووجهائها، ولد في مكة في عام 50 قبل الهجرة، ومات في سنة 13 هجرية بالمدينة المنورة، هو أول الخلفاء الراشدين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تولى الخلافة في ظل ظروف عصيبة (موت النبي، والردة)، فأعاد بحنكته اللحمة والتماسك مرة أخرى لدولة الإسلام. وهو أحد المبشرين بالجنة.

سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم بالصديق لكثرة تصديقه إياه خاصة في حاثة الإسراء والمعراج، وكان أبو بكر رضي الله عنه عزيزًا في قومه، مطاعًا فيهم، كانت فطرته سليمة في الجاهلية وحتى قبل إسلامه، فلم يقتل بنتًا غشية الفقر كما كانوا يفعلون، ولم يسجد لصنم قط، ولم يشرب الخمر أو يجالس السفهاء من قريش، ولكنه اجتنب كل ذلك ولم يسعَ في شيء من أفعالهم إلا أن يكون فيه فضل ومكرمة. وحين جاء الوحى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أخبر أبا بكر به في بدايته، فما كان منه رضي الله عنه إلا أن قال له: “صدقت”، فآمن بالرسالة على الفور، فكان بذلك أول من أسلم من الرجال.

تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة في اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم، أي في سنة 11 هـ ، فقد اجتمع المسلمون على أحقيته في الخلافة، نظرًا لمكانته في الدعوة الإسلامية، وثانيًا لكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أوكل إليه أمر الصلاة بالناس في أثناء مرضه، فكان ذلك إيذانًا بخلافته وتوليته أمر المسلمين. ولم يمكث في الخلافة إلا مدة قصيرة حوالي سنتين وثلاثة أشهر، ثم جاءت عاجلته المنية رضي الله عنه.

كان رضوان الله عليه طيب القلب رحيمًا بالناس متواضعًا لخالقه، يحب الناس مجالسته، وكان كريمًا في بذل المال، كثير الإنفاق في سبيل الله، وكانت له فطنة ورجاحة عقل وتدبير، وكان شجاعًا وصاحب حياء ووقورًا، عُرف عنه الصدق وما شُهد عليه بالكذب قط.

كانت لأبو بكر رضي الله عنه أعمال جليلة وبصمة كبيرة في خدمة دين الله، ابتداء من مساندة النبي صلى الله عليه وسلم، ومناهضة الكفار والمشركين، والتصدق بماله كله في سبيل الله، حتى جعل سيدنا عمر ييأس من سباقه يومًا ويقول: “والله لا سابقتك بعد اليوم يا أبا بكر”، وانتهاءً بتولي أمر المسلمين في ظروف عصيبة وقيامه بأمرهم على الوجه الأكمل، فقد سيّر جيش أسامة الذي أعده النبي قبل موته بمدة قليلة، ولم ينكس عهدًا قطعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي. ثم أمر خالد بن الوليد أن يقوم بإعداد جيش آخر لمحاربة الذين ارتدوا عقب موت النبي صلى الله عليه وسلم، وظل يرسل الحملة وراء الأخرى حتى خلصت جزيرة العرب من المرتدين وعاد الناس إلى دين الله، وخاصة بعد معركة اليمامة وقتل مُسيلمة الكذاب.

من المعارك التي جرت في عهده أيضًا معركة أجنادين، ومعركة اليرموك، ومعركة مرج الصُّقُر، وقد حقق المسلمون فيها النصر. وقد فُتحت الحيرة وجزء من العراق وبلاد الشام في عهده. لما رأى أن أغلب حفظة القرآن يموتون في المعارك، أخذ قرارًا بجمع القرآن الكريم، فكان بذلك أول من جمع القرآن.

أصيب أبو بكر رضي الله عنه بالحمى ومات بعد عدة أيام منها، أمر في أثناء مرضه أن يصلي عمر بن الخطاب بالناس، فلما مات قام ابنه عبد الرحمن وزوجته أسماء بتغسيله، وصلى سيدنا عمر بن الخطاب عليه صلاة الجنازة، وقد أوصى الصديق أن يدفن في جوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكان له ما أراد، فرضي الله عنه وأجزل له العطاءَ جزاءَ ما قدم للإسلام والمسلمين.