خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

عظماء خالدون: عمر بن الخطاب

© Zulkifli Mustafa | Dreamstime.com

هناك أشخاص خلدهم التاريخ نظرًا لتأثيرهم الشديد في التاريخ الإنساني والحضاري، فصاروا مضربًا للمثل وحجة يعود الناس إليها، وهؤلاء الأشخاص لم يكونوا يقصدون ذلك، إنما لما أخلصوا عزمهم ونياتهم لله، فإن الله قد كافأهم بتخليد ذكراهم. ولعل من أبرز تلك الشخصيات وأكثرها تأثيرًا في تاريخنا الإسلامي بعد النبي صلى الله عليه وسلم، سيدنا عمر بن الخطاب، فهو ثاني الخلفاء الراشدين، الفاروق، والحاكم العادل، الذي شهدت دولة الإسلام على يده كثيرًا من الفتوحات واتسعت إلى حدود لم تعرف قبل أحد غيره.

وهو أبو حفص عمر بن الخطاب العدوي القرشي، المُلقب بالفاروق، ولد بمكة المكرمة في سنة 40 قبل الهجرة ومات شهيدًا في سنة 23 من الهجرة، لُقب بأمير المؤمنين، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان عمر رضي الله عنه قويًا في الجاهلية واشتهر عنه البطولة وحب الفروسية والمصارعة والرماية وركوب الخيل، تعلم في صغره القراءة والكتابة فأحسنهما. آمن بعد خمس سنوات من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فقد رق قلبه لآيات سمعها من القرآن فتحول غضبه على أخته فاطمة التي أسلمت قبله ومعها زوجها سعيد بن زيد، وفي بيتهما أعلن إسلامه، وقد استجاب الله لدعوة النبي بأن يعز الله الدين بأحد العمرين، فكان اختيار الله لسيدنا عمر بن الخطاب.

كان إسلام عمر رضي الله عنه عزة للإسلام والمسلمين، فلم يستطع المشركون أن يقوموا بأفعالهم الشنعاء التي كانوا يفعلونها قبل إسلامه، وقد ورد أنه كان يمشي بين صناديد الكفر لا يبلي بهم شيئًا، حتى إنه عندما أراد الهجرة خرج غير مستتر ولا خائف وقال: “من أراد أن تثكله أمه ويوتم ولده ويرمل زوجته، فليلقنِ وراء هذا الوادي، قال عليّ: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين، علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه”، فقد عُرف عنه رضي الله عنه الشدة في الحق، فلم يكن يتهاون في دين الله شيئًا.

من فضائل عمر رضى الله عنه، جرأته في الحق، فقد كانت قويا في الحق لا يهادن فيه، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صل الله عليه وسلم قال في عمر: “إنَّ اللهَ جعَل الحقَّ على لسانِ عُمَرَ وقلبِه”، وقد ظهر هذا أمام الصحابة في مواقف عديدة. ومن فضائله كذلك موافقته لكلام الله تعالى وللحق من عنده، وقد جاء ذلك في أكثر من موضع، وفي ذلك يقول سيدنا عمر: “وافقتُ ربي في ثلاثٍ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتخذنا من مقامِ إبراهيمَ مُصلَّى، فأُنزِلتْ: “واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وآيةُ الحجابِ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو أمرتَ نساءَك أن يَحتجبن، فإنَّه يُكلِّمُهُن البرُّ والفاجرُ، فنزلتْ آيةُ الحجابِ، واجتمع نساءُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الغيرةِ عليه، فقلتُ لهنَّ: عسى ربَّه إن طلقَكُن، أن يُبدِلَه أزواجًا خيرًا مِنكُن، فأُنزِلتْ هذه الآيةُ” (رواه البخاري، ص 402).

يضاف إلى ذلك عفته وزهده، وتقواه وورعه، وعدله الذي أضحى مضربًا للمثل، ووقاره وحرصه على رعيته، فلم يصل أحد ممن جاء بعده إلى ما كانت عليه خلافته من بسط الأمن والعدل والفتوحات وكثرة الأموال. هو أول من قام بتدوين التاريخ الهجري، والذي نسير عليه حتى اليوم في صيامنا وحجنا وأعيادنا.

فتحت على يده بلاد فارس، وهي ملك عظيم، وأنشأ الدواوين مثل الدواوين في بلاد فارس، وفتح بلاد الشام والعراق ومصر وليبيا، ووصلت جيوش المسلمين إلى أقاصي الأرض في خرسان وبلاد الأناضول، وامتدادًا إلى جنوب أرمينيا وسجستانإلخ.

تميز سيدنا عمر بشخصية عبقرية استطاع من خلالها السيطرة على مدن عدة، واتسعت رقعة الإسلام، واستطاع بفطنته استرداد القدس، وبها الأقصى ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، من أيدي البيزنطيين. لقد كان عمر رضي الله عنه حالة فريدة من الصبر والإخلاص والعزيمة. طعنه أبو لؤلؤة المجوسي في صلاة الفجر فلم يعيش بعدها إلا أيامًا، فرحمه الله وأجزل له العطاء.