خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

عقبة بن نافع : الأمير المجاهد

عقبة بن نافع
ID 148869344 © Amanda Lewis | Dreamstime.com

عقبة بن نافع أحد الشخصيات التاريخية الإسلامية التي وهبت نفسها لله، فاتخذت من الجهاد سبيلاً لذلك، فقد اصطفاه الله لخدمة دينه والدفاع عنه، كل هذا تحت راية النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

مولد عقبة بن نافع

ولد قبل الهجرة بسنة واحدة فكان صحابيًا بالمولد، لأن أباه كان مسلمًا، وهو عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري، ويربط بينه وبين الصحابي الجليل عمرو بن العاص صلة قرابة، وقد أدرك عمرو بن العاص أن عقبة يتمتع بسمات القائد منذ صغره، فعول عليه بعد ذلك.

ظهرت شخصية عقبة بن نافع العسكرية على صعيد الأحداث، من خلال اتسع رقعة الفتح الإسلامي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، فقد اشترك مع أبيه في فتح مصر، وذلك تحت قيادة عمرو بن العاص، الذي رأى فيه شخصية متميزة وسيكون لها ثقلها مع الأيام،  لذا قام بإسناد مهمة صعبة له في البداية حتى يختبر قوته ورجاحة عقله، وهي مهمة قيادة دورية استطلاعية للوقوف على فرص المسلمين في فتح الشمال الإفريقي، وهي مهمة خطيرة لأنه متعلقة بعملية جمع المعلومات وتحديد الوقت المناسب للهجوم وطريقته، لذا فإنها تحتاج إلى ذكاء شديد وحسن تصرف وسرعة ومباغتة قتالية عالية.

أرسل عقبة الشاب بعد ذلك إلى بلاد النوبة لفتحها، لكنها وجد مواجهة شديدة، فمهد الطريق لمن جاء بعده، وبعدها وجه عمرو بن العاص إلى مهمة أكثر خطورة، ألا وهي تأمين الحدود المصرية من جهة الغرب والجنوب ضد هجمات البربر المدعومة من الروم، فقام عقبة بن نافع بالمهمة على مستوى قتالي، ولم يترك ثغرة للعدو للنيل من المسلمين، وقد تولى ولاية مصر عدد من الشخصيات بخلاف عمرو بن العاص، غير أنهم أقروه على منصبه الدفاعي المهم.

كانت الانطلاقة الكبيرة في مشوار عقبة العسكري مع استقرار الخلافة في يد معاوية، فقد نأى بنفسه عن الفتنة التي وقعت بين المسلمين، وظل في برقة مدافعًا عن المسلمين ورابضًا على الثغور حتى لا يترك للعدو فرجة يدخل منها، لذا كان شغله الشاغل الجهاد ونشر الإسلام بين صفوف البربر، وقد جاءته الفرصة التي يتمناها، حين تولى مصر معاوية بن حديج، فقد اتخذ قرارا مصيرًا باستكمال الفتح الإسلامي الذي توقف بسبب أحداث الفتنة، فأرسل إلى عقبة يأمره بالقيام بحملة قوية لفتح الشمال الإفريقي. فقام البطل عقبة بجمع قواته وانطلق بجيشه وضم كل المدن التي واجهته حتى وصل إفريقية في تونس ففتحها، واتجه بعدد من القوات إلى الصحراء وقام بما نسميه اليوم حرب عصابات لتخليص الصحاري من هذه الفئات التي تروع المسلمين.

يضاف إلى عقلية عقبة الحربية والجهادية، حسن تفكيره التنظيمي، فقد خطط لإنشاء مدينة إسلامية نابضة بالحياة، ألا وهي مدينة القيروان، فيكون للمسلمين وجود حاضرة إسلامية عامرة في تلك البقاع، ثم أنشأ بعد ذلك مسجد القيروان ليكون قبلة للطلاب وأهل العلم والفقهاء، مما يثري الحياة الدينية في تلك البقاع البعيدة عن مركز الحكم الإسلامي، وهي حديثة عهد بالإسلام، فكان مسجد القيروان أول جامعة إسلامية في العالم.

وحين انتهى من هذه المعارك، ومن بناء مدينة القيروان ومسجدها، وكان في أوج قوته، جاءه أمر الخليفة بالعزل وتولية أحد معاونيه مكانه، فأخذ مكانه بين الجنود مقاتلاً في سبيل الله، ولم يعلن اعتراضه أو سخطه، بل تقبل الأمر بنفس راضية. وبعد مدة من الوقت جاءه الأمر بالعودة لقيادة المسلمين مرة أخرى، فاتجه ناحية المغرب العربي وخاصة مدينة طنجة.

منذ مولد عقبة بن نافع لم يواجه الرجل في طريقه شيئًا إلا وفر من أمامه سواء الروم أو البربر أو بعض الحاميات الموجودة في تلك الأراضي، فكان رضي الله عنه مثل الإعصار المدمر. وحين وصل بخيله إلى المحيط بدأت رحلة العودة من جديد، فلم يعد من شيء يفعله، فوزع جنوده على البلاد، وبقي في قلة من جنده، فتحسس الروم أخباره، واتفقوا مع رجل يدعى كسيلة، فجمع معه البربر الوثنيين، وأغلق عليهم باب الحصن، ودارت معركة شديدة نال فيها جميع المسلمين الشهادة وعلى رأسهم القائد البطل عقبة بن نافع، وذلك سنة 63هـ.