خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

عُلَيّة بنت المهدي : أشعارها وأخبارها

علية بنت المهدي إحدى الشاعرات المبرزات في عصرها، إذ لا يكاد يوجد في بني العباس قاطبة امرأة تضاهيها شعرًا ومكانة، فقد كانت فريدة عصرها، شاعرة مبدعة، وهي أخت الخليفة هارون الرشيد، ولها شعر جيد، ولها صوت حسن في إنشاد الأشعار. وكانت عُلية من أكمل النساء عقلاً، وأحسنهن دينًا وصيانة لنفسها، ونزاهة، وكانت أكثر أيامها مشغولة بالصلاة، وقراءة القرآن، ولزوم المحراب.

علية بنت المهدي والرشيد

وكان الرشيد يعظمها، ويجلسها معه على سريره، وكانت تأبى ذلك وتوفيه حقه. وكان إذا خرج جلساؤه دعا مسرورًا وقال له: “قد تشوقت أختي علية فامض فجئني بها، وقل لها بحياتي عليك إلا طيبت عيشي بحضورك، فجاءت فأومأ إليها أن تجلس على السرير معه، فأبت وحلفت وجلست بين يديه، فقال لها لِمَ فِعلُ هذا يا حياتي؟ وكان كثيرًا ما يدعوها بذلك، فقالت: يا أمير المؤمنين: إنها مجالس آنفا، فلم أحب أن أقعد مقعدهم”. أي مجالس يجلس فيها الرجال ومن تدعوهم.

ومما يروى عن علية بنت المهدي أنها قالت: “ما حرم الله شيئًا إلا وقد جعل فيما حَلل عوضًا منه، فبأي شيء يحتج عاصيه، والمنتهك لحرماته”. فلم تكن تترخص في شيء، كما أشيع ذلك عنها كذبًا. ويذكر عنها أحمد بن الرشيد يقول: “كانت عمتي علية تقول اللهم لا تغفر لي حرامًا أتيته، ولا عزمًا على حرام إن كنت عزمته، وما استغرقني لهو قط إلا ذكرت سببي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصرت عنه، وإن الله ليعلم أني ما كذبت قط، ولا وعدت وعدًا فأخلفته”.

أخبارها

يُروى عنها أنها كانت تكتب الشعر وتحب أن تراسل به بعض من تخصهم بذلك، وقد اختصت بشعرها خادمًا يقال له طَلٌّ، وهو من خدم أخيها الرشيد تراسله بالشعر، فلم تره أيامًا، وكان الرشيد قد علم الأمر فمنعه عن ذلك، ودخل عليها وأقسم ألا تكلم طلاً الخادم، ولا تسمى باسمه، فضمِنت له ذلك “أي ألا ترسل له شعرًا أو تذكره قط”، فاستمع عليها يومًا ” أي سمع منها دون أن تدري”، وهي تدرس آخر سورة البقرة، حتى بلغت إلى قوله عز وجل “أَصابَهَا وَابلٌ، فَأتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصبْها وَابِلٌ…”، وأرادت أن تقول فَطَلٌّ، فلم تلفظ بهذا فقالت فالذي نهانا عنه أمير المؤمنين وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيِرٌ”, فدخل عليها الرشيد وقبل رأسها وقال: “قد وهبت لك طلاً، ولا منعتك بعد هذا من شيء تريدينه”.

نماذج شعرية

وكانت عُلية دائمًا ما تسأل أخيها الرشيد بعد أن وجدته مهمومًا: “ما رأيتَ لكَ يوم سرور تامًا منذ قتلت جعفرًا فلأي شيء قتلته؟ فقال: يا حياتي لو علمت أن قميصي يعلم السبب الذي قتلت له جعفرًا لأحرقته!”. ويذكر حماد بن إسحاق أن علية بنت المهدي: “كانت أعف الناس، إذا طهرت لزمت المحراب، وإذا لم تصلِ غنت”. والغناء هنا وهو إنشاد الأشعار والترنم بها.

لها شعر حسن أجادت فيه وبرعت، ومن شعرها في الرشيد وقد جفاها مدة من الزمن:

مالَكِ رقِّي أَنْتَ مَسْرُورُ… وَبِالَّذِي تَهْواهُ مَحْبُورُ

أَوْحَشْتَنِي يا نُورَ عَيِني فَمَنْ … يُؤنُسِنِي غَيْرُكَ يا نُورُ

أَنْتَ عَلىَ اْلأَعْداءِ يَا سَيِّدِي … مُظَفَّرُ الآْراءِ مَنْصُورُ

وقالت للرشيد وقد طلب أختيها ولم يطلبها للحضور ذات مرة:

مالي نُسِيتُ وَقَدْ نُوِدي بِأَصْحابِي … وَكُنْتُ وَالذِّكْرُ عنْدِي رِائحٌ غادِي

أَنا الذَّيِ لا أُطيِقُ الدَّهْرَ فُرْقَتَكُمْ … فَرِقَّ لِي بأَبيِ مِنْ طُوِل إبعادِي

ومما روي عنها أيضًا أنها حجت في أيام الرشيد، فلما انصرفت أقامت في طريق عودتها أيامًا بمنطقة تدعى: “بِطَيزناباذَ”، فانتهى ذلك إلى الرشيد فغضب، فقالت له شعرًا:

أَيُّ ذَنْبٍ أَذْنْبَتُهُ أَيُّ ذَنْبٍ … أَيُّ ذَنبٍ لَوْلاَ مَخَافَةُ رَبيِّ

بِمُقِامي بِطَيزناباذَ يَوْماً … بَعْدَهُ لَيْلَةٌ عَلىَ غَيْرِ شُرْبِ

ثُمَّ باكَرْتُها عُقاراً شَمُولاً … تَفْتنُ النَّاسِكَ الحْلَيِمَ وَتُصْبِي

قَهْوَةً قَرْقَفًا تَرَاهَا جَهْولاً … ذاتَ حِلْمٍ فَرَّاجَةً كُلَّ كَرْبٍ

فلما سمع الشعر رضي عنها الرشيد، وانتهى الأمر على خير حال.

المرجع:

أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم، الصولي.