خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

غزوة بواط أسبابها وأبعادها التاريخية

غزوة بواط

غزوة بواط واحدة من الغزوات المهمة في تاريخ الدعوة الإسلامية وقد جاءت ضمن الغزوات الممهدة لغزوة بدر الكبرى، ومن المعلوم أن الغزوات التي وقعت قبل غزوة بدر الكبرى كانت ضد المشركين من كفار قريش الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم وأولادهم وأموالهم في مكة المكرمة.

إرهاصات الغزوة

بعد هجرة النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة أذن الله تعالى للمؤمنين بالقتال دفاعًا عن دينهم وأنفسهم ودولتهم الوليدة قال تعالى:

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج:39).

تنفيذًا للآية الكريمة فقد وقعت عدة غزوات كان الهدف منها استرداد بعض ما استولى عليه كفار قريش من أموال المسلمين المهاجرين، حيث كانت القوافل التي تخرج إلى بلاد الشام من مكة تمر على المدينة المنورة، فأراد النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يُعلم قريشًا أن المسلمين لن يُفرطوا في حقوقهم المنهوبة.

موقع الغزوة من عموم الغزوات

وقد كانت غزوة بواط ضمن سلسة الغزوات التي هدف المسلمون منها استرداد حقوقهم من قوافل قريش المتجهة لبلاد الشام، وتعد غزوة بواط ثاني غزوات النبي –صلى الله عليه وسلم- وقد وقعت في ربيع الأول من العام الثاني لهجرة النبي، ووقعت في منطقة بواط التي تقع على طريق القوافل بين مكة والشام، وقد علم النبي –صلى الله عليه وسلم- بوجود عير لقريش فيها مائة فارس يحرسون ألفين وخمسمائة بعير.

وكان على رأس القافلة أمية بن خلف الجمحي، خرج النبي –صلى الله عليه وسلم- في مائتين من أصحابه قاصدًا منطقة بواط المكان المتوقع مرور قافلة قريش منه، وقد استخلف على المدينة سعد بن معاذ وقيل السائب بن عثمان بن مظعون -رضي الله عنهما- وكان لواء المسلمين أبيض حمله سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه- ولما بلغ النبي –صلى الله عليه وسلم- بواطًا من ناحية رضوى علمت عيون قريش بوجود المسلمين فأسرعوا السير حتى لا يدركهم المسلمون، وقد سلكت القافلة طريقًا مختلفًا غير الطريق المُعبد المعروف فاستطاعت تجاوز المسلمين ولم يُكتب لهم الحصول على غنائمها.

وقد عاد المسلمون إلى المدينة بعد أن تجاوزتهم قافلة قريش، ومع أن المسلمين لم يغنموا تلك القافلة إلا أنهم أثبتوا لقريش أن تجارتهم المتجهة نحو الشام ستبقى محل تهديد ما دام المسلمون في المدينة، وقد أثبتت غزوة بواط أمرًا في غاية الأهمية مفاده أن المسلمين لن يتركوا حقوقهم المنهوبة ولن يتخلوا عن أموالهم التي استولى عليها كفار قريش ظلمًا وعدوانًا، حيث كانوا يمنعون الصحابة المهاجرين من أخذ أموالهم وكثيرًا ما كان الصحابة يهاجرون سرّا ويتخففون من أموالهم حتى لا يدركهم كفار قريش، وقد استولت قريش على أموال المسلمين بعد أن تركوها في مكة فكان من المنطقي أن يأخذ المسلمون خطوات حثيثة لاسترداد أموالهم.

غزوة بواط ومناط أهميتها

لقد كانت غزوة بواط من الغزوات التي أثبتت أن العقلية العسكرية للدولة الإسلامية في المدينة متغيرة عن العقلية العسكرية القبلية التي كانت تقوم على السلب والنهب والإغارة على القبائل المجاورة، ذلك أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد نظم الدولة الإسلامية في المدينة تنظيمًا بديعًا ووضع الأسس التي تضمن نجاحها واتخذ العيون الذين يدلونه على طرق التجارة وحركة قريش، كما كان يستخلف على المدينة من يقوم على أمرها ويدبر أمر الناس فترة غيابه –صلى الله عليه وسلم- وقد ضمن هذا التنظيم نجاح الدولة الإسلامية وتمكنها من تحقيق إنجازات عظيمة في سنوات قليلة تمكنت من خلالها من نشر الإسلام في الجزيرة العربية كلها وانتقلت بعد ذلك لفتوح الشام والعراق والدنيا بأسرها.

بعد غزوة بواط بدأ المشركون يشعرون بالخطر وأن طرقهم إلى الشام أصبحت مهددة فبدأوا يبحثون عن طرق بديلة لقوافلهم وبهذا تكون خطة المسلمين قد نجحت في التضيق على تجارة قريش وتكبيدها خسائر كبيرة.