خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

غزوة مؤتة

dreamstime_s_184124540
Illustration 184124540 © - Dreamstime.com

بعد هزيمة قريش وحلفائها في غزوة الأحزاب، وعقد النبي- صلى الله عليه وسلم- صلح الحديبية مع قريش، أرسل رسائل إلى الملوك والرؤساء في البلاد المجاورة يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكان من الذين أرسل إليه رسالة لدعوتهم للإسلام ملك بُصرى، حيث أرسل النبي- صلى الله عليه وسلم- الحارث بن عمير الأسدي-رضي الله عنه-، لكنه قد قتل شهيدًا على يد شرحبيل بن عمرو الغساني والي البلقاء التي كانت تخضع للدولة الرومانية، وكانت بصرى كذلك تخضع لها.

لقد كان من المتعارف عليه بين الملوك وزعماء القبائل أن الرسل لا تقتل ولا يجوز لأحد أن يتعرض لهم، لأنهم يحملون مجرد رسائل من أقوامهم، وقد مثَّل قتل الحارث بن عمرو الأسدي، انتهاكًا كبيرًا لهذا العرف، وكان هذا بمثابة إعلان الحرب بصورة واضحة.

لما علم النبي- صلى الله عليه وسلم- بما فعل شرحبيل الغساني، عقد العزم على تأديبه، وكان شرحبيل نصرانيًا خاضعًا للحماية الرومانية.

جهز النبي- صلى الله عليه وسلم- جيشًا من ثلاثة آلاف مقاتل، وجعل على قيادته زيد بن حارثة، وأمرهم إن أصيب زيد فالقيادة لجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فالقيادة لعبدالله بن رواحة-رضي الله عنهم-.

وصل المسلمون إلى مؤتة التي تقع على أطراف الجزيرة العربية، وتتبع منطقة الكرك الآن في الأردن، ولما وصلوا وجدوا أن الروم والغساسنة قد جمعوا أكثر من مئتي ألف مقاتل، بينما كان عدد المسلمين لا يزيد عن ثلاثة آلاف مقاتل.

تشاور قادة الجيش واتفقوا على القتال وعدم الانسحاب أمام هذا الجيش حتى لا يشعر الروم بانتصارهم، وقد وقعت المعركة في جمادى الأولى من العام الثامن لهجرة النبي- صلى الله عليه وسلم- وقد هجم المسلمون على جيش الروم الجرار فكانت مفاجأة مدوية وفي اليومين الأول والثاني حقق المسلمون انتصارًا على الروم، لكن الروم بدأوا في تنظيم صفوفهم في اليوم الثالث، وهو اليوم الذي قتل فيه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة.

وكان زيد قد أخذ الراية فقاتل قتالًا شديدًا حتى استشهد مقبلًا غير مدبر، فأخذ الراية من بعده جعفر بن أبي طالب، وقاتل ببسالة حتى قطعت يده اليمنى فأمسك الراية بيده اليسرى فقطعت فأمسك الراية بعضديه، فُطعن أكثر من ثمانين طعنة فاستشهد مقبلًا غير مدبر، ومكافأة لبلائه وجهاده فإن الله قد أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة، بعد استشهاد جعفر حمل الراية من بعده عبدالله بن رواحة، فقاتل حتى استشهد مقبلًا غير مدبر، وبعد مقتل القادة الثلاث تشاور المسلمون فيما بينهم فاتفقوا على أن يأخذ الراية خالد بن الوليد، الذي أسلم منذ فترة يسيرة، فحمل خالد الراية وأبلى بلاء حسنًا، واستطاع أن ينهي هذا اليوم من المعركة بأقل الخسائر.

في اليوم التالي عمد خالد بن الوليد إلى خطة عبقرية في غاية الذكاء حيث قام بتغيير أماكن المحاربين فنقل الميمنة إلى الميسرة والميسرة إلى الميمنة، والمقدمة إلى المؤخرة وهكذا، وأمر الجنود بغسل ملابسهم، وذلك ليظن الروم أن المدد قد جاء للمسلمين كما عيّن عددًا من الفرسان يقفون خلف جبل، فإذا ما بدأت المعركة قدموا في جماعات يثيرون الغبار خلفهم فيظن الروم أن المدد قد لحق بالمسلمين، وقد استطاع خالد بن الوليد بذلك أن يخدع الروم والغساسنة، وأمر الجيش بالانسحاب المنظم ففعلوا ذلك، وقد خاف الروم من اتباع الجيش الإسلامي لئلا يكون ذلك خدعة من خالد بن الوليد لاستدراجهم لكمائن فاتفقت كلمة قادة جيش الروم على عدم اتباع المسلمين، وقد استطاع المسلمون العودة إلى المدينة بأقل الخسائر، وعاد الروم والغساسنة إلى بلادهم.

انجلت غزوة مؤتة عن تكبيد الروم خسائر فادحة، بينما لم يستشهد من المسلمين إلا عدد قليل، وقد أبلى خالد بن الوليد في المعركة بلاء حسنًا وتكسرت في يده يومئذ تسعة سيوف وأثنى عليه النبي ثناء حسنًا بعد عودته إلى المدينة.

لقد كانت غزوة مؤتة بمثابة درس كبير للروم وإعلامهم أن المسلمين قوة لا يستهان بها، وقد أكدت كذلك على مبدأ سيادة الدولة الإسلامية وعدم تفريطها في الحفاظ على حقوقها.