خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

فاطمة الفهرية ودورها الريادي والمعرفي

© Muhammad Fadhli Adnan | Dreamstime.com

في تاريخنا الإسلامي نساء خالدات بأعمالهن الذكية، وشخصياتهن المجتهدة، فحظين بشهرة واسعة ومجد سابغ الفضل، لا يقارن بغيرهن من النساء، بل إن بعضهن تفوقن على الرجال أنفسهم، ومن هؤلاء النساء السيدة فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية، ترجع بأصلها إلى ذرية سيدنا عُقبة بن نافع الفهري فاتح بلاد تونس والمغرب العربي وصاحب مدينة القيروان وأحد أبرز المحاربين في تاريخنا الإسلامي. لُقبت فاطمة الفهرية بأم البنين، وتعد من أكثر الشخصيات تأثيرًا في مدينة القيروان بتونس، وفاس بالمغرب.

ولدت فاطمة الفهرية في القيروان بتونس، ثم نزحت مع بعض العرب النازحين ومع بعض أهلها إلى أقاصي المغرب العربي، واستقر المقام بها مع أهلها في قرية القرويين بعدوة المغرب، وكلن المغرب وقتها تحت حكم إدريس الثاني، وهناك في مقامها الجديد تزوجت، وبعد مدة من الزمان ليست بالكبيرة تُوفي أبوها وزوجها، فامتلكت من والدها ثروة كبيرة اقتسمتها مع أختها أم القاسم مريم الفهرية، جمعت بين إيمان صادق وشخصية قوية ذات عزة نفس وزهد وإقبال على فعل الطاعات، وكانت أختها على ذات الشاكلة.

كانت ثروة والدها من أكثر الأشياء التي نفعت الإسلام والمسلمين في تلك البقاع، فمن خلالها استطاعت فاطمة أن تنفق مع أختها في أبواب الخير، غير أنها قامت بعمل من أفضل الأعمال التي يتقرب بها المسلم إلى ربه تعالى، حيث رأت أن المسجد في المنطقة قد ضاق بالناس، وأن الأدارسة حكام المغرب وقتها يشيرون ببناء المسجد الذي أصبح لا يكفي لجميع المصلين، فقامت فاطمة بالتبرع ببنائه على نفقتها الخاصة بالتشارك مع أختها صدقة منهما على أبيهما الذي مات وترك ثروة كبيرة.

اتجهت السيدة فاطمة الفهرية إلى مسجد القرويين فأعادت بناءه، وقامت بشراء الحقول المجاورة له فضاعفت مساحته، وظل تنفق عليه حتى اكتمل بناؤه وأصبح مسجدًا كبيرًا عامرًا. وقد تحول المسجد مع مرور الوقت إلى جامعة إسلامية تلقى فيها الدروس والعلوم ويفد إليها الكثير من الطلاب والعلماء، فكانت بذلك أقدم جامعة في العالم، متقدمةً في إنشائها على جامعة الزيتونة بتونس، وجامعة الأزهر بمصر.

ومن الأمور اللافتة للنظر أن السيدة فاطمة تحرت الدقة في هذا البناء وأرادت أن تجعله كله لله، فلا تأخذ شيئًا من أحد، ولا تأتي بمواد للبناء من مكان آخر، أو كما يقول الدكتور حسن حسني في كتابه التاريخي: “التزمت أن لا تأخذ التراب وغيره من مادة البناء إلا من نفس الأرض التي اشترتها دون غيرها فحفرت كهوفا في أعماقها وجعلتْ تستخرج الرمل الأصفر الجيد والجص والحجر لتبني به تحريًا منها أن لا تدخل شبهة في تشييد المسجد” (كتاب شهيرات التونسيات).

وقد كان المسجد مزودًا بأوقاف ساعدته أن يستقل ماليًا ويتحول إلى جامعة علمية مع مرور الوقت، فقد تحول إلى جامعة ابتداء من عام 877 م. رغم أن هناك رأيًا آخر يرى أنه تحول مع قدوم المرابطين في القرن الخامس الهجري، ولعل الرأي الأول هو الأكثر دقة وقد اعتمدته موسوعة جينيس في تصنيفها. وبذلك تصنف جامعة القرويين بأنها أقدم جامعة علمية في العالم، وقد سبقت أوروبا بحوالي قرنين من الزمان على الأقل، وقد تمتعت الجامعة بشهرة كبيرة ووفد إليها الفقهاء وطلاب العلم والشعراء، وعلماء الرياضيات والفلك، والجغرافياوقد انتشر العلم من خلالها إلى جميع الأصقاع، ووصل أوروبا من خلال الطلاب الوافدين إليها، فقد كان البابا سيلفستر بابا الفاتيكان أحد طلابها في يوم ما وقام بنقل الأرقام العربية إليها.

وبعد رحلة من الجهد والاجتهاد توفيت السيدة فاطمة في عام 265 هـ وقد قدمت للإسلام والمسلمين أفضل الخدمات الجليلة في فاس بالمغرب، وما زالت جهودها حاضرة حتى يومنا هذا من خلال مسجد القرويين وجامعته، فرحمها الله تعالى رحمة واسعة، وأجزل لها العطاء.