فتنة خلق القرآن ما هي وكيف انتهت؟

قرآن 21 Jumada Al Oula 1442 AH Contributor
فتنة خلق القرآن
© Amani A | Dreamstime.com

تعد فتنة خلق القرآن من أخطر الفتن والمحن التي مرت على أمتنا الإسلامية. ويمكن اعتبارها من أكبر الفتن الفكرية التي تبنت فيها الدولة العباسية مذهب المعتزلة، وحملت الناس عليها بالسيف. ولولا أن قيض الله تعالى للأمة الإسلامية علماء أثبات كالإمام أحمد بن حنبل وغيره لتسببت هذه الفتنة في كثير من الانحرافات الفكرية والعقدية لدى الناس.

الخلفية التاريخية لفتنة خلق القرآن

قبل الحديث عن ظهور فتنة خلق القرآن لا بد من الإشارة إلى أن الفتنة قد سميت بذلك نسبة إلى القول الذي ذهب إليه المعتزلة من أن القرآن مخلوق. وهو قول محدث لا دليل عليه من الكتاب أو السنة، وإنما سميت بالفتنة لأن المعتزلة امتحنوا الناس فيها. فمن وافق مذهبهم قربوه ومن أنكر قولهم عرضوه على السيف، وقد استغلوا تأثر بعض الخلفاء العباسيين بهذا الرأي واعتناقهم إياه.

ولا بد من الإشارة كذلك إلى أن المعتزلة قد تأثروا تأثرًا كبيرًا بأفكار ومعتقدات الأديان المحرفة. ذلك أنهم كانوا يناظرون أهل هذه الأديان ويجادلونهم، كما أنهم قد تأثروا بالفلسفة اليونانية. فتسربت هذه البدعة إليهم من خلال مناظراتهم واطلاعهم على تلك المعتقدات، كما أنهم قد استدلوا ببعض الآيات من القرآن الكريم. واعتمدوا على ظاهرها دون الوقوف مع تفسيراتها وبيان المراد منها من خلال آيات القرآن الأخرى.

لقد كانت فتنة خلق القرآن واحدة من البدع التي ظهرت في القرن الثالث الهجري، ومن المعلوم أن أولى البدع ظهورًا في تاريخ الأمة الإسلامية بدعة الخوارج، ومن الأمور التي أكد عليها العلماء أن كل بدعة خرجت في تاريخ الأمة الإسلامية، قد خرجت بدعة أخرى تناقضها، فلما ظهرت بدعة الخوار، ظهرت بدعة الإرجاء في مقابلها، ولما ظهرت فرقة القدرية التي تنفي القدر ظهر في مقابلها فرقة الجبرية التي تنفي إرادة الإنسان، ولما ظهر الجهمية والمعتزلة القائلون بنفي الصفات خرج في مقابلهم المجسمة والمشبهة الذين شبهوا الله بخلقه، وقد خرج النواصب وهم الذي ناصبوا أهل البيت العداء مقابل الشيعة الذين غلوا فيهم ورفعوهم إلى منزلة الألوهية والنبوة، أما أهل السنة والجماعة فهم وسط بين الفرق جميعًا فلا إفراط ولا تفريط.

بداية الفتنة

بدأت فتنة خلق القرآن أيام الخليفة العباسي المأمون الذي تأثر بأفكار المعتزلة ومذهبهم في صفات الله تعالى، وكان المأمون قد تأثر بالفلسفة اليونانية تأثرًا كبيرًا، ومع أنه قد اعتنق مذهب المعتزلة إلا أن لم يجبر الناس على اعتناق هذا المذهب، لكن تغير موقفه بعد أن أشار عليه أحمد بن أبي دؤاد وبشر المريسي بإجبار الناس خاصة العلماء على القول بمذهب المعتزلة وفي القلب منه القول بخلق القرآن.

وفي واقع الأمر فإن المأمون كان يفضل مهادنة الناس وعدم إجبارهم على القول بمذهب المعتزلة ذلك أنه كان يهاب العلماء والمحدثين ويعلم أنهم سيواجهون القول بهذه البدعة، لكن لما لم تفلح طرق المهادنة والملاطفة مع العلماء استجاب المأمون لنصائح المريسي وابن أبي دؤاد بإجبار الناس على القول بالاعتزال وامتحانهم بمسألة خلق القرآن، فأرسل المأمون إلى قائد شرطة بغداد يأمره بامتحان العلماء بهذه البدعة وتوعدهم بالعذاب والسجن وقطع الأرزاق إن هم رفضوا، وكان ذلك عام 218 هـ، ولعل هذه السنة هي البداية الحقيقية لفتنة خلق القرآن وامتحان العلماء فيها.

استدعى قائد شرطة بغداد العلماء إلى مقر الحكم وامتحنهم في القول بخلق القرآن، وتحت سطوة التهديد والوعيد استجاب كثير منهم وأذعنوا خوفًا على حياتهم وأرزاقهم، ولما رأى الإمام أحمد بن حنبل ذلك رفض رفضًا قاطعًا وغضب غضبًا شديدًا وصدع بالحق ورفض مقولة المعتزلة، وبالجملة فلم يثبت في هذه المحنة إلا أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح حيث رفضا الخضوع والقول بقول المعتزلة.

ثبات الإمام أحمد بن حبل في فتنة خلق القرآن

كان من الطبيعي أن يغضب المأمون لرفض الإمام أحمد بن حنبل القول بمذهب المعتزلة، وبتأليب من رؤوس المعتزلة أمر المأمون بحمل كل من أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح مقيدين في الأغلال حيث مقر إقامته في طرسوس على ثغور الدولة البيزنطية، وقد أقسم أن يقتلهما بسيفه إن لم يجيباه إلى القول بخلق القرآن، وفي الطريق إلى طرسوس كان الإمام أحمد يصلي ويتهجد بالليل ويدعو الله ألا يلقى المأمون، وقد استجاب الله دعاءه إذ هلك المأمون قبل أن يصل إليه أحمد بن حنبل فمات في رجب من عام 218هـ.

لكن الفتنة لم تنته عند هذا الحد، إذ خلف المعتصمُ أخاه المأمون وكان قاسيًا اشتد في إيذاء الإمام أحمد حنبل وذلك بعد أن مات رفيقه في الثبات محمد بن نوح تحت وطأة التعذيب، وقد أمر المعتصم بوضع أحمد بن حنبل في سجن ضيق مظلم في بغداد، فمرض الإمام مرضًا شديدًا فأخرجوه إلى سجن أوسع مع الناس فمكث في السجن ثلاثين شهرًا وفي خلالها تعرض لصور كثيرة من العذاب والضرب بالسياط.

كما قام بكثير من المناظرات مع المعتزلة، من أبرزها المناظرة التي تمت بحضور المعتصم وناظر فيها الإمام رؤوس المعتزلة فهزمهم جميعًا ونقض حججهم، ووصل الأمر بالمعتصم إلا أن ضربه بالسياط ضربًا شديدًا والإمام ثابت لا يغير ولا يبدل، وما زال يتعرض الإمام أحمد للضرب بالسياط حتى أغمي عليه من شدة التعذيب.

أطلق المعتصمُ الإمام أحمد بن حنبل لما رأى منه ثباتًا فقد علم أنه لن يقدر عليه بحال من الأحوال، وبعد موت المعتصم اشتدت المحنة على الإمام أحمد، حيث تولى الواثق بن المعتصم الخلافة وكان قد تشرب مذهب المعتزلة فاشتد على الإمام أحمد بن حنبل واشتد على كل من أنكر القول بخلق القرآن، لدرجة أنه كان يفرق بين الرجل وزوجته إذا قال أحدهما بخلق القرآن وأنكره الآخر، وكان لا يفتدي الأسرى المسلمين لدى الروم الذين ينكرون القول بخلق القرآن.

انتهاء فتنة خلق القرآن

شاء الله تعالى أن يهلك الواثق عام 231 هـ، وخلفه المتوكل الذي كان على مذهب أهل السنة والجماعة، فأمر برفع بدعة المعتزلة وإبعادهم وأمر كذلك بنشر السنة والسماح للإمام أحمد بن حنبل بالإفتاء والجلوس لنشر العلم بين الناس، فلقب بناصر السنة، وشاء الله تعالى أن تنتهي فتنة خلق القرآن التي كانت من أشد الفتن في تاريخ الأمة الإسلامية.

لقد محصت فتنة خلق القرآن الناس خاصة العلماء وبينت أقدارهم ومنزلتهم، ولذلك فإن الإمام أحمد بن حنبل قد أصبح بعد هذه الفتنة إمام أهل السنة والجماعة، وقد كان ثباته في هذه الفتنة من الأسباب التي حفظت على الناس دينهم ومنعتهم من الوقوع في البدع، ومع أن الإمام قد تعرض لشتى أنواع العذاب والأذى إلا أنه لم يضعف ولم يستجب لوعد ووعيد الخلفاء الثلاثة الذين تأثروا بمذهب المعتزلة.

وقد أكدت فتنة خلق القرآن أن المعتزلة قد جنوا جناية عظيمة على الأمة الإسلامية حيث ابتدعوا في الدين بدعًا شنيعة منها القول بخلق القرآن ونفي الصفات، وليتهم توقفوا عند هذا الحد، فلما أتيحت الفرصة لهم وتملكوا القوة والسلطان، بطشوا بمخالفيهم وقتلوا كثيرًا من العلماء، وأفسدوا فسادًا عظيمًا في البلاد الإسلامية حتى شاء الله تعالى برفع المحنة وإزالة الغمة والتمكين للسنة على يد إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل.

المراجع

  • سير أعلام النبلاء: الذهبي.
  • البداية والنهاية: ابن كثير.

بقلم/ عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية والتاريخية