خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

فضل الإصلاح بين الزوجين

ID 118038536 © Tetiana Guzhva | Dreamstime.com

باب الصلح بين الناس عامة، هو من أبواب الخير المشرعة أمام عباد الله لتحصيل الأجر والثواب الجزيل، والصلح خير في مجمله، وخاصة بين الأزواج كي يستكملا الحياة ولا ينفرط شمل الأسرة، وقد أمرنا الله تعالى بذلك في كتابه فقال: “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا”. (سورة النساء: 35)، ومما دل على وجوب الإصلاح بين الزوجين ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم، حينما حدث شيء بين السيدة فاطمة وسيدنا عليّ رضي الله عنهما، فقام إليه النبي يسترضيه، فوجده نائمًا في المسجد فقال له: “قم أبا تراب، قم أبا تراب”. (رواه البخاري)

لا يخلو أي بيت من بيوت المسلمين من وجود بعض المشاكل، وحتى بيوت الصحابة الكرام، كانت بها بعض المشاكل القليلة التي كانوا يتداركونها سريعًا، ولكنها لا تعد مشاكل مقارنةً بما أصبحنا فيه الآن من مشاكل خطيرة أدت إلى ارتفاع معدلات الطلاق والجريمة داخل العلاقات العائلية. ولا بد أن نعي أن الزوجين بشر، وأنهما يخطئان ويصيبان، وقد أوصانا بعدم الكراهية والتباغض في الحياة الأسرية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “لا يفْرَك مؤمن مؤمنةً، إن كرِه منها خلقًا، رضي منها آخر”. (رواه مسلم)، أي: لا يبغضها لخلق معين يكره، فهناك الكثير من الأمور الحسنة فيها التي يجب النظر إليها.

وعلى الزوجين أن يعلما أن الحياة الزوجية ليست متعة صرفة ولذة حاضرة دائمة، إنما هي مزيح من المتعة والمسؤوليات وكثرة الأعباء معًا، ولا بد من تصحيح الصورة للزوجين المتخاصمين، وإبراز أن الحياة الزوجية نوع من التكامل بينهما وليست صراعًا ليبغي القوي على الضعيف. وقد فصّل الإسلام في الأحوال الشخصية وفي أحكام الزواج والطلاق، وحتى لا تتضاعف المشاكل وتصل إلى المحاكم وتزداد الخلافات صعوبة، فلا بد من تفعيل الجلسات التي تصلح بين الأزواج وتحتوي مشاكلهم ويعيد الحياة إلى نصابها.

وآلية التحكيم في الصلح بين المتخاصمين، تكون بأن يبرز من كل طرف من أطراف النزاع من أجل عقد الصلح، فيفضي كل طرف بما لديه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة”. وعلى المحكم أن يستمع من الطرفين معًا، وأن يعي المشكلة ويسعى في الإصلاح بين الزوجين، وقد استمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خولة بنت ثعلبة وهي تشتكي زوجها، فقالت: “يا رسول الله، أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهَرَ مني، اللهم إني أشكو إليك”. فلم تبرح مكانها حتى نزل جبريل عليه السلام بقول الله تعالى: “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ”. (سورة المجادلة: 1)

إن الصلح بين الزوجين يعد من أفضل أنواع الإصلاح بين الناس، لكونه يعمل على درء المفاسد، وتقريب وجهات النظر وإعادة الحياة إلى مسارها بعد احتواء الأزمة، وقد رأينا بيوتًا كثيرة قد أصبحت مهددة بالخراب، ولكن بفضل الله تعالى، وبإخلاص بعض العقلاء، عادت الروابط أكثر متانةً من السابق. ويمكن لكل مندوب أن يجتمع مع طرف النزاع الذي أوكله بالأمر، ليسمع منه أسباب الشقاق والخلاف، ثم يجتمع الحكمان على بينة بعد ذلك، ليرجع الزوجان وقد ارتضيا القرار المُعلن، بعد أن تم توجيههما إلى حُسن المعاشرة بالمعروف والحياة الكريمة، وأن يحفظ كل طرفه صاحبه من الضرر أو الإساءة.

إن الحياة الزوجية يجب أن تتخطى الصعاب لكي تصل إلى طريق آمن، وعلى الزوجين أن يعيا ذلك جيدًا، وأنهما دائمًا في اختبار من أجل استكمال الحياة والفوز بالسعادة ومتعة الحياة المشتركة.