خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

فضل ليلة القدر وثوابها

dreamstime_xs_176578031
Fotoğraf: Ramadan © | Dreamstime.com

جرت حكمة الله تعالى أن جعل لكل شيء فضلاً وأثرًا، ففضل بعض الأيام على بعض، كيوم عرفة مثلاً، وبعض الشهور على بعض، كشهر رمضان مثلا، وجعل في تلك الأيام والشهور الثواب الجزيل والفضل العميم الذي يسعى الناس فيه مجتهدين طالبين تحصيله، فكانت تلك الأيام أشبه بالجائزة التي يمنحها الله لعباده المؤمنين العاملين الشاكرين.

ومن أشرف تلك الأيام وأفضلها ذكرًا ومكانةً وتشريفًا ليلة القدر، لما فيه من الفضل والخير، ولما ارتبطت به من أثر خالد، ففيها تنزل الملائكة إلى الأرض، وفيها أنزال الله القرآن الكريم الذي هو الكتاب المعجز والمقيم للدين بالحجة والدليل، يقول الله تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ  فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ(الدخان: 3 – 4). ودل ذلك على خيرية البركة في تلك الليلة أيضًا، فهي ليلة مفضلة من عند رب العالمين، خيرها كثير وبركتها لا توصف، جعل الله من ضمن بركتها تلك القرآن الكريم، ليكون منهاجًا للناس. وقد فسر العلماء قوله تعالىفِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أي أن الله يفصّل من اللوح المحفوظ كل ما هو كائن من أمره، في تلك السنة، فيكون تقدير المقادير للخلائق في تلك الليلة، فيكتب الخير والشر، والأحياء والأموات، والناجون والسعداء، ويكتب فيها الأشقياء والمبعدون. وتلك فضيلة أخرى تضاف إلى البركة ونزول القرآن.

وهي ليلة المغفرة والأجر فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه(رواه البخاري 4/ 255- ومسلم 759). ولا يوجد فضل في أي ليلة أخرى يوازي هذا الفضل، فهي مغفرة من الذنب إن أحسن العبد التوكل على الله وقامها إيمانًا واحتسابًا. وهي ليلة البركة لأنها خير من ألف شهر، فقد يحصل الإنسان فيها على عمل 83 عامًا أو يزيد إن عَبَد الله فيها حق عبادته محتسبًا صابرًا، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إنَّ هذا الشهر قد حضرَكم، وفيه ليلةٌ خير من ألف شهر، مَن حُرِمَها فقد حُرِم الخير كلَّه، ولا يُحرَم خيرَها إلاَّ محرومٌ(رواه ابن ماجَه، وحسَّنه الألباني).

تنزل الملائكة فيها بالخير والبركة والرحمات، ولا يصعدون إلى السماء إلى مع مطلع الفجر، أو كما قال الله تعالى في سورة القدر التي سُميت باسم تلك الله إكرامًا لها: “ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، ونزول الملائكة سلام ورحمة واطمئنان.

وقد ميّز الله تلك الليلة بهذا القدر من الخير والرحمة والغفران، لتأتي سورة القدر مؤكدة على فضلها جملة وتفصيلاً، قال تعالى: “ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ(سورة القدر: 1-5). وذلك فضل عميم لم تشهد ليلة أخرى في العام، لذا فإن الله جعلها جائزة لخاصته من عباده الذين يوفقون إلى قيامها.

وقد أخفها الله تعالى عن عباده ليجتهد في العمل الصالح ويحرصون على التماس الأجر فيها، ومن أقوى الأقوال المرجحة ما ورد عن أُبي بن كعب رضي الله عنه، حين قال: “والله إنِّي لأَعلم أيُّ ليلةٍ هي؛ هي الليلة التي أمَرَنا رسول الله  صلَّى الله عليه وسلَّم بقيامها، هي ليلةُ سبع وعشرون(رواه مسلم 762). وهناك أقول أخرى خلاف ذلك، لكن المرجح أنها في إحدى الليالي الوترية من العشر الأواخر من رمضان، فقد دلت الأحاديث الصحيحة على ذلك. ومن الدعاء المسنون فيها أن يقول العبد: ” اللهم إنَّك عفوٌّ تحبُّ العفو، فاعف عنِّي(رواه أحمد). إنها ليلة عظيمة وفرصة كبيرة، والسعيد من اغتنمها، والبائس من حُرم أجرها وفضلها.