خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

فطنة ليلى الأخيلية وبراعتها اللغوية

ID 132730750 © Andrea Adamina | Dreamstime.com

كانت ليلى الأخيلية شاعرة مجيدة وامرأة ذات لباقة لسان وجمال وحكمة، فكانت بجانب قصتها مع الغزل العذري وابن عمه قيس بن الملوح، مضربًا للمثل في رصانة اللسان وحسن التعبير والإجادة والفصاحة، وقد جار عليها الزمان يومًا وأصبحت بلا مأوى يأويها ولا معيل يرعاها، فقد مات الوالد وهلك الراعي ولم تعد بقادرة على الحياة، لذا قصدت أحد رؤوس العرب وهو عبيد الله بن أبي بكرة، وذهبت إليه لعلها تجد ما تبحث عنه. وهذا الموقف يبين شخصية ليلى الأخيلية جيدًا لأن به عبرة واستخدامًا جيدًا للغة، كما استطاعت بفطنتها عرض قضيتها بدقة.

يروي تلك القصة محمد بن زياد البكراوني، إذ يقول: “سمعت العتبي يقول: دخلت ليلى الأخيلية على عبيد الله بن أبي بكرة. قال محمد: وسمعت ابن عائشة يقول: دخلت امرأة من هوزان على عبيد الله بن أبي بكرة فقلت له: هي الأخيلية. فقال: لعلها. فقالت أصلح الله الأمير، أتيتك من بلاد شاسعة ترفعني رافعة وتهضبني هاضبة، لملمات من البلايا برين عظمي ونكهن جسمي، وتركنني أمشي بالحريض قد ضاق بي البلد العريض بعد عدة من الولد وكثرة من العدد، أفنين عددي وأوعزن تلدي، فلم يتركن لي سبدًا ولم يبقين لي لبدًا، فسألت في أحياء العرب من المرتجى سيبه والمأمون غيبه والمحمود نائله فدللت عليك- أصلحك الله- وأنا امرأة من هوازن هلك الوالد، وغاب الفاقد، فاصنع بي إحدى ثلاث:

قال: وما هن؟ قالت: تحسن صفدي أو تقيم أودي أو تردني إلى بلدي. فقال: بل نجمعهن، لك. فجمع لها الخلال الثلاث. قال أحدهما: ثم أوصى لها بعد موته بمثل ميراث أحد بناته”. (المرزباني، أخبار النساء)

وكانت ليلى دائمة الوجد على أهلها وتجد أنهم شر ووبال مثل التراب، لأنها كانت تعاني ظروفًا كثيرة وصعبة ولذا رأت حياتها بينهم نوعًا من النكد والتعب، وهي حال المرء حينما يجد أن حياته في مكان ما سببًا في تعاسته. وكانت ليلى شاعرة مجيدة تمتلك ناصية الكلام، وتبز الرجال في قول الشعر، وتصل إلى مواقع الكلام وفصاحته بموهبتها اللغوية وحسن سبكها ومنطقها، ومن ذلك ما أنشده أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي، وقال إنه لليلى الأخيلية:

ألا ليت شعْري والخطوب كثيرةٌ … متى رحْل قيس مستقِلٌّ فراجع

بنفسيَ من لا يسْتقِل برحْلهِ … ومن هو إن لم يحفظ الله ضائعُ

وفيما يرويه أبو عمرو الشيباني عن ليلى الأخيلية أنها مدحت أبي بكر بن كلاب بن ربيعة، فقالت:

إن كنْتَ تبغي أبا بكرٍ فإنَّهم … بكلّ ساحةِ قوْم منهم أثَرُ

نعمي وبؤسي بآفاق البلاد فما … ينال أعداؤهم منهم، ولا قدروا

والعالمون إذا ما الأمر ضافهمُ … أنَّى يحاوَلُ منه الوِرْد والصدَرُ

واخترت آل أبي بكْرٍ لحاجتنا … وكان فيهم لمن يختارهم خيَر

وما اتهمت بني جَزْءٍ بظنَّتهِ  … وما أساؤوا وما ضاعَ الذي حضروا

والمقصود بظنته: أي بظنه أبي جزء، وبنو جزء وهم آل عبد العزيز بن زرارة وهم من بني بكر بن كلاب.

ومن الفخر أبضًا ما رواه عنها أبو عمرو أيضًا إذ تقول:

نحن منعْنا بين أسْفَل ناعت … إلى وارداتٍ بالخميس العرمرم

بحيّ إذا قيل أظعنوا قد أتِيتُم … أقاموا على هَوْلِ الجنانِ المُرَجَّمِ

تحمَّل أولاهم من الدار غدوةً … وتمسي بها أخراهم لم تَصَرَّمِ

إن الأبيات السابقة كلها تدل على قولها الشعر بطلاقة وحسن سبك تحسد عليهما، حتى إنها تفوق بعض الرجال في ذلك، ولها أشعار أخرى كثيرة ومتعددة قالتها جميعًا في مواقف متفرقة سواء في المدح أو في الفخر، أو كانت تقول الشعر لتعرض حالها على من كانت تدخل عليهم من الأمراء أو رؤوس العرب، أو أن تدافع عن نفسها ضد الافتراءات الكثيرة التي تعرضت لها في حياتها.