خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

فن الإقناع

Hommes Malaysiens habillés en blanc posent pour photo

هل صادفت يومًا موقفًا كهذا، رجلان يمتلكان متجرين لبيع الملابس متجاورين، وكل منهما أحضر البضاعة نفسها، وعندما دخل الزبون المحل الأول سأل عن زي محدد وعرف ثمنه من البائع وتحدث معه وهَمَّ خارجًا، وصل إلى المحل الثاني في الجوار وقام بطلب السلعة ذاتها، فعرضها عليه البائع بأسلوب جذاب، فاشتراها بذات السعر الذي قاله صاحب المحل الأول. إذن لِمَ وافق على السلعة والسعر في المحل الثاني ولم يشترها من المحل الأول؟ الأمر ببساطة أن صاحب المحل الثاني استطاع إقناع الزبون بالسلعة، لم يتصنع الكلام بقدر ما كان كلامه مقنعًا ودقيقًا ولمس حاجة الزبون للسلعة. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه فن الإقناع.

فالإقناع عبارة عن استخدام أسلوب يقوم على التأثير في شخص ما من خلال وسائل محددة، لكي ندفعه للنهوض بعمل ما محدد. وهو أسلوب مدروس يقوم على تكتيك محدد ويعتمد على مهارات مدروسة تجعل الشخص يقتنع بما لديك من سلع أو بما تعرضه من أشياء أو حتى يقتنع بكلامك. وهذا بخلاف التصنع أو المزايدة، لأنها شكل آخر يهدف إلى الإقناع، لكنها ليست إقناعًا، فهي مقصودة لهدف محدد، وعادة ما يلمسها شيء من الكذب والخداع المتعمد، أما الإقناع فإنه يقوم على حقائق وثوابت، وليس به حيلة إلا التفنن في أسلوب العرض واتباع الأساليب والمهارات المساعدة على ذلك.

وهناك فارق بين الإقناع والفبركة والكذب، فالكذب والفبركة تقوم على قول أشياء غير حقيقة وتصنع أمور غير واقعية وعرضها باعتبارها حقيقية وواقعية، أما الإقناع فإنه يعتمد على الحقائق ولا يبتعد عنها، ولكن استخدامه يتم من خلال بعض الأساليب التي تقرب الكلام من المستمع وتجعله يقتن بما يقول، إنه مهارة خاصة وفذة تسعى إلى تحسين تجربة الآخرين في التعامل معك، ومدهم بالحجج العقلية والبراهين الكلامية التي تصل بين عقلهم وقلبهم فيصدقوك فيما تقول.

الإقناع نوع من التأثير على عقل الآخر والاستحواذ عليه،  من خلال الطريقة التي تقوم باستخدامها من لباقة الحديث، وتقديم الحجة، والاستماع إلى الطرف الآخر بإنصات. ويمكن لك أن تكون مقنعًا من خلال عدة أمور:

أولاً: استخدم ألفاظك بدقة شديدة، لأن الشخص الذي يستمع يحلل كلماته ويبني أفكارًا حول ما تقول، كما أنه يميز ما تقوله، فلو كانت الألفاظ غير مؤثرة أو حادة فإنه لن يتأثر بذلك الأمر، وسينفر منك ويترك ويرحل عنك. ثانيًا: عليك أن تكون مقتنعًا بما تقول وأن تكون الفكرة التي تتحدث عنها فكرة جيدة وصادقة ويمكنك الحديث فيها بحرية مطلقة، لأن الآخرين يميزون الكلام، كما أنه لا يمكن إقناع الآخرين بشيء وأنا غير مقتنع به. وثالثًا: تجنب التعميم والألفاظ الشمولية وعليك بتخصيص الأمر، فالواقف أمامك يريد شيئًا محددًا، فلا تبالغ في أمور لم يسألك عنها.

والشخص الذي يبحث عن إقناع الآخرين والتأثير فيهم إنما يستخدم اللين والإحسان، ولا يفرض سلطته في الحديث، ولا يكون مستبدًا في التعبير والكلام، بل يستخدم الحجة والدليل ويبرهن على كلامه بلا جدال أو مشاحنات أو صوت عالٍ. كما يجب عليك لكي تقنع الآخرين أن تدفعهم للبحث عن الحقائق وأن تتقبل النتائج بصدر رحب، فليس العملية أمر صواب وخطأ، ولكن المسألة تقوم على إيجاد البرهان والدليل المنطقي.

إذا أردت التأثير والإقناع فعليك بترابط الأفكار ورسوخها وتسلسلها، لأن تزاحم الأفكار سيجعلك مرتبكًا ولا تحسن التعبير عما تود نقله إلى الآخرين. وعليك أنت تفهم الأشخاص الذين تحاول إقناعهم، وتعي طبيعتهم وسماتهم، فقد تبذل جهدًا كبيرًا دون فائدة ترجى منهم. كما يجب أن تكون شخصيك قوية أمام الآخرين لكي تؤثر فيهم وتقنعهم بما تقول. وعليك بالابتعاد عن حب الذات والإفراط في ذلك، أو الكِبر الذي يدفعك لإنكار ما يقوله الآخرون حتى لو كان حقيقيًّا، فالإقناع فن ومهارة وأسلوب، وليس غطرسة وتلفيقًا ونفاقًا.